في لحظة يُفترض أنها باب للتهدئة وإعادة الإعمار في قطاع غزة، جاء البيان المشترك لوزراء خارجية 8 دول مؤثرة – مصر، السعودية، الأردن، الإمارات، قطر، تركيا، إندونيسيا، باكستان – ليقرع جرس إنذار سياسي ودبلوماسي واضح: المرحلة الثانية من خطة السلام الخاصة بغزة مهددة بالانهيار، ليس بسبب خلافات على التفاصيل الفنية، بل بسبب استمرار الانتهاكات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار وسقوط أكثر من ألف شهيد وجريح من المدنيين الفلسطينيين تحت القصف، رغم وجود اتفاق معلَن لوقف النار.
البيان، الذي حمل لهجة حادة وغير معتادة في بعض عباراته، لم يكتفِ بتوصيف ما يجري باعتباره “تصعيدًا ميدانيًا”، بل ربط مباشرة بين هذه الانتهاكات وبين مستقبل المسار السياسي برمته، محذرًا من أن استمرارها يعني عمليًا نسف الأرضية التي تقوم عليها خطة السلام، وإعادة المنطقة إلى مربع الانفجار والعنف، بدل الانتقال إلى الاستقرار وإعادة الإعمار.
مجازر تحت مظلة «وقف إطلاق النار».. كيف تُخنق المرحلة الثانية قبل أن تبدأ؟
وزراء خارجية الدول الثماني شددوا في بيانهم على أن ما يحدث في غزة يتجاوز كونه “خروقًا أمنية” محدودة، إلى كونه سلوكًا ممنهجًا يفرغ وقف إطلاق النار من مضمونه. فحين يسقط أكثر من ألف فلسطيني بين شهيد وجريح في فترة يُفترض فيها أن المدافع صامتة، فإن الرسالة على الأرض واضحة: الطرف الإسرائيلي يتصرف كمن يختبر حدود التحمّل الإقليمي والدولي، أكثر مما يلتزم بروح الاتفاق ونصه.
هذه المجازر المتواصلة، بحسب ما عكسته صياغة البيان، لا تكتفي بحصد أرواح المدنيين وترك أحياء كاملة مدمرة، بل تضرب أيضًا الثقة في أي عملية سياسية، وتُضعف موقف القوى العربية والإسلامية التي راهنت على مسار التهدئة بوصفه المدخل الوحيد الممكن حاليًّا لتخفيف معاناة سكان القطاع المنكوب. فكيف يمكن إقناع الشارع العربي، أو حتى الفصائل الفلسطينية، بالحديث عن “مرحلة ثانية من خطة السلام” بينما الصور القادمة من غزة هي لركام ودمار وجنازات؟
الوزراء ذكّروا بأن المنطقة تقف على عتبة مرحلة يفترض أن تُنقل فيها غزة من حال الحرب المفتوحة إلى التهدئة المستدامة، وربطوا بين هذا الهدف وبين ما يُعرف بالمرحلة الثانية من خطة السلام التي طرحها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، لكنهم أشاروا بوضوح إلى أن الاستمرار في هذه الانتهاكات يعني وضع “العصا في دولاب الدبلوماسية”، وتعريض المسار برمته لخطر الانهيار، بما يفتح الباب مجددًا أمام انفجار ميداني واسع لن يقتصر أثره على القطاع وحده.
قرار مجلس الأمن 2803 بين النص والواقع: امتحان لجدية المجتمع الدولي
محور أساسي في البيان كان التشديد على ضرورة التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن رقم 2803، الذي يُفترض أن يشكل الإطار القانوني الدولي للتهدئة، وضمان حماية المدنيين، وفتح المعابر أمام المساعدات الإنسانية، وتهيئة الأرضية السياسية والأمنية للانتقال إلى مرحلة أكثر استقرارًا.
وزراء الخارجية الثمانية قدّموا القرار بوصفه اختبارًا لمصداقية المجتمع الدولي نفسه: فإذا كان القرار لا يُحترم على الأرض، ولا تُفرض كلف سياسية أو قانونية على من ينتهكه، فإن كل كلام عن “نظام دولي” و“شرعية أممية” يتحول إلى مجرد شعارات. والفشل في حماية المرحلة الثانية من خطة السلام، كما حذّر البيان، لن يعني فقط تعثّر اتفاق محدد، بل سيؤدي إلى تآكل الثقة في آليات الوساطة الدولية، ودفع الأطراف المختلفة – رسميًّا وشعبيًّا – إلى الاعتقاد بأن لغة القوة هي الوحيدة المجدية.
الوزراء ربطوا بين الالتزام بالقرار 2803 وبين منع انهيار المسار السياسي، مؤكدين أن التغاضي عن هذه الانتهاكات سيترجم بسرعة إلى مزيد من التوترات الشعبية في المنطقة، وتنامي الغضب ضد ما يُنظر إليه كازدواجية معايير فاضحة في التعامل مع الدم الفلسطيني. وفي الوقت ذاته، شددوا على أن حماية المدنيين في غزة، وتثبيت وقف إطلاق النار، ليست “منّة” من أحد، بل التزام قانوني وأخلاقي على كل دولة تعلن احترامها لميثاق الأمم المتحدة.
من وقف إطلاق النار إلى جذور الصراع: لا سلام بلا دولة فلسطينية وحق تقرير المصير
رغم التركيز الكبير في البيان على وقف الانتهاكات وحماية المرحلة الثانية من خطة السلام، لم يغفل وزراء الخارجية الثمانية التذكير بجوهر القضية: أن أي تهدئة مؤقتة، مهما طالت، لن تتحول إلى سلام حقيقي ما لم تُربط بحل سياسي عادل.
في هذا السياق، أعاد البيان التأكيد على الثوابت التاريخية: حق الشعب الفلسطيني غير القابل للتصرف في تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة على أرضه، استنادًا إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وفي إطار مبادرة السلام العربية التي لا تزال – من وجهة نظر هذه الدول – الإطار الأوسع والأكثر شمولاً لأي تسوية ممكنة.
الوزراء أوضحوا أن ربط الاستقرار الآني في غزة بالمسار السياسي المستقبلي ليس ترفًا نظريًّا، بل ضرورة عملية؛ فالحلول الأمنية وحدها أثبتت فشلها مرة بعد أخرى، وكل تهدئة لا تفتح أفقًا سياسيًّا حقيقيًّا تتحول مع الوقت إلى هدنة هشة تنتظر الشرارة التالية لتنهار. ومن هنا، حمّل البيان المجتمع الدولي مسؤولية تاريخية: ليس فقط وقف إطلاق النار، بل الدفع الجاد نحو حل نهائي ينهي الاحتلال، ويضمن للفلسطينيين حقوقهم، وللمنطقة حدًا أدنى من الاستقرار المبني على العدل، لا على إدارة الأزمة إلى ما لا نهاية.
بهذا المعنى، لا يكتفي تحرك وزراء خارجية 8 دول بإرسال رسالة احتجاج إلى تل أبيب، بل يوجّه إنذارًا صريحًا إلى العواصم الكبرى ومؤسسات النظام الدولي: إن استمرار التعامل مع دم الفلسطينيين كـ“تفصيل جانبي” في معادلة أوسع، سيكلف الجميع ثمنًا باهظًا، وسيحوّل ما تبقى من فرص سلام إلى رماد في أول هبّة نار جديدة تشتعل في غزة أو حولها.

