أعلنت القناة 12 العبرية اعتقال جيش الاحتلال لقائد المقاتلين العالقين في رفح جنوبي قطاع غزة، الشيخ أدهم العكر "أبو بكر"، بعد اختطافه على يد مجموعة مسلحة محلية موالية للاحتلال، يقودها المدعو غسان الدهيني، قبل تسليمه لقوات الاحتلال شرق رفح.

 

وظهر العكر – وهو من القيادات الميدانية البارزة في المقاومة – في مقطع مصوّر نُشر عبر منصة إعلامية تابعة لمجموعة الدهيني، في وضع إنساني بالغ القسوة، وقد بدت عليه آثار الإرهاق الشديد والجوع والحصار داخل أنفاق رفح، بينما وقف إلى جواره الدهيني متباهيًا بما اعتبره "محاكم تفتيش" جديدة في غزة، في مشهد أثار موجة غضب واسعة على منصات التواصل الاجتماعي الفلسطينية، اعتبرها كثيرون إهانة مقصودة لكرامة مقاتلين صمدوا لأشهر طويلة في ظروف بالغة القسوة.

 

في مقابل هذا المشهد، برزت أصوات شعبية وقبلية وفصائلية ترى في حادثة اختطاف وتسليم الشيخ أدهم العكر نموذجًا صارخًا لانحطاط أخلاقي وأمني لدى المجموعات المسلحة المتعاونة مع الاحتلال، ومحاولة مكشوفة لضرب النسيج الداخلي الفلسطيني وتشويه صورة المقاومة في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ قطاع غزة.

 

فيديو بالغ القسوة في أنفاق رفح.. صمود تحت الحصار مقابل استعراض رخيص

 

المقطع الذي نُشر للعكر، وأظهره في حالة إنهاك بدني واضح داخل أحد الأنفاق في محيط رفح، بدا كأنه محاولة متعمدة لإرسال رسالة مزدوجة: أولًا، استعراض قوة من جانب مجموعة الدهيني أمام الاحتلال والرأي العام، وثانيًا كسر صورة الصمود الأسطوري للمقاتلين العالقين في الجنوب بعد شهور من الحصار والقصف والتجويع.

 

في الفيديو، يظهر غسان الدهيني وهو يقف بجوار الشيخ أدهم العكر، يتحدث بلغة استعلائية عن "تجديد محاكم التفتيش في غزة"، في إشارة تحمل أبعادًا نفسية وسياسية واضحة، تُظهر كيف تحاول هذه المجموعة المحلية تقديم نفسها كأداة "تطهير" داخلية في خدمة أجندة الاحتلال، تحت غطاء شعارات "مكافحة الإرهاب" و"فرض النظام"، بينما واقعها – كما يصفه ناشطون – لا يتجاوز كونه سلوكًا انتقاميًا مهينًا بحق مقاتلين أفنوا شهورًا من أعمارهم في خطوط المواجهة الأولى.

 

https://x.com/DiwanDaily/status/2017315056518676933

 

ناشطون وصحفيون من غزة، عبر منصات مختلفة، اعتبروا أن المشهد يختزل حالة التناقض بين من يقاتلون في الأنفاق تحت القصف والحصار والجوع، ومن يتحركون بحرية خلف "الخط الأصفر" في حماية القوات الإسرائيلية، ويوثقون عملياتهم بالكاميرا طلبًا للظهور والدعاية، بينما يقومون في الواقع بدور أمني لمصلحة الاحتلال عبر ملاحقة المقاومين وكشف مسارات الأنفاق ونقاط الضعف داخل المناطق الحدودية.

 

 

إدانة قبلية وشعبية لممارسات مجموعة الدهيني: سلوك "إجرامي همجي" خارج عن القيم الفلسطينية

 

"التجمع الوطني للقبائل والعشائر والعائلات الفلسطينية" أصدر بيانًا شديد اللهجة أدان فيه جريمة اختطاف الشيخ أدهم العكر "أبو بكر"، محمّلًا المسؤولية المباشرة للمدعو غسان الدهيني ومجموعته المسلحة. ووصف البيان ما جرى بأنه "سلوك إجرامي همجي" يتنافى مع القيم الوطنية والأعراف الاجتماعية الفلسطينية، ويكشف حالة من الإفلاس الأخلاقي والأمني لدى تلك المجموعات، التي لا تجد سوى استهداف أبناء شعبها لتثبيت حضورها الهش.

 

البيان أشار إلى أن "الجرائم المتلاحقة" التي ارتكبها الدهيني ومجموعته بحق أبناء الشعب الفلسطيني تعكس حالة رعب يعيشها القائمون على هذه المجموعات بعد انكشاف علاقاتهم المشبوهة، ومحاولاتهم المستمرة لترويع المواطنين وابتزازهم تحت غطاء السلاح وحماية الاحتلال. كما لفت إلى أن تجاوزات هذه المجموعات لم تعد تقتصر على استهداف شخصيات وطنية أو مقاومة، بل طالت أيضًا أفرادًا كانوا في صفوفها سابقًا قبل أن ينشقوا عنها، بعد اكتشاف حجم الانحراف والفساد والجرائم الأخلاقية والأمنية التي تمارسها.

 

وأكد التجمع أن هذه الممارسات لا تمت بصلة إلى تاريخ الشعب الفلسطيني أو قيمه، وأن المجتمع الفلسطيني لم يمنح يومًا مكانة أو شرعية لمن وصفهم البيان بـ"أشباه الخارجين عن الصف الوطني"، مشددًا على أن مثل هذه الجرائم لا تمثل نسيج المجتمع الفلسطيني الأصيل، ولا تعكس عادات وأعراف العائلات والعشائر المتجذرة في الأرض والتاريخ، بل تمثل حالات شاذة مرفوضة وموضع إدانة شعبية واسعة.

 

البيان ختم بالتأكيد على أن هذه الفئة لن تنجح في فرض نفسها على الشعب الفلسطيني مهما تمتعت بغطاء عسكري من الاحتلال، وأن مصيرها سيكون الرفض والمواجهة المجتمعية، لأن شعبًا تربّى على قيم الكرامة والصمود لن يقبل تمرير ما وصفه التجمع بـ"الخيانات" أو السماح بفرض واقع دخيل على مجتمعه تحت فوهة السلاح.

 

 

خلف الخط الأصفر: ميليشيات موالية للاحتلال وحملة ملاحقة أمنية في غزة

 

حادثة اختطاف وتسليم الشيخ أدهم العكر أعادت تسليط الضوء على ظاهرة الميليشيات المسلحة المنتشرة على طول قطاع غزة، من شماله إلى جنوبه، والتي تتحرك بحرية نسبية خلف "الخط الأصفر" الذي يفصل مناطق التوغّل الإسرائيلي عن عمق القطاع، حيث تتمركز القوات الإسرائيلية وتدير عمليًا "منطقة عازلة" واسعة.

 

هذه المجموعات – وفي مقدمتها "القوات الشعبية" التي يتزعمها غسان الدهيني – توصف في تقارير فلسطينية ودولية بأنها ميليشيات عميلة تعمل في تنسيق مباشر مع جيش الاحتلال، وتضطلع بمهام تمشيط ميداني، ورصد تحركات المقاومين، وجمع معلومات عن الأنفاق والمقار العسكرية، إضافة إلى التورط في جرائم جنائية كنهب المساعدات وابتزاز السكان والتجارة بالمخدرات.

 

في المقابل، تشير المعطيات إلى أن الأجهزة الأمنية في قطاع غزة شرعت في حملة واسعة لملاحقة هذه العصابات المسلحة، التي أسهمت في زعزعة الأمن المجتمعي وارتكاب جرائم راح ضحيتها عشرات المواطنين، مستفيدة من الغطاء الناري الكثيف الذي وفره جيش الاحتلال خلال الحرب لتنفيذ أعمالها الإجرامية دون رادع.

وتؤكد مصادر محلية أن هذه الحملة تستهدف تفكيك البنية التنظيمية لهذه المجموعات، وتجفيف حواضنها، ومنعها من الاستمرار في أداء دور أمني لصالح الاحتلال على حساب المجتمع المحلي.

 

في هذا السياق، يرى مراقبون أن اختطاف الشيخ أدهم العكر وتسليمه للاحتلال يمثل ذروة التصعيد في دور هذه الميليشيات، ورسالة بالغة الخطورة حول مستوى التعاون بين بعض المجموعات المسلحة والجيش الإسرائيلي، ليس فقط ضد المقاومة، بل أيضًا ضد منظومة القيم والعرف الاجتماعي التي ظلّت تاريخيًا خطًا أحمر في المجتمع الفلسطيني.

 

ورغم قسوة المشهد الذي ظهر فيه الشيخ أدهم العكر في الفيديو، فإن كثيرين يرون أن موجة الغضب والإدانة الواسعة – قبليًا وشعبيًا – تؤكد أن مثل هذه السلوكيات ستظل معزولة اجتماعيًا ومرفوضة، وأن رهانات الاحتلال على تفتيت المجتمع عبر وكلاء محليين مسلحين ستصطدم في النهاية بصلابة النسيج الفلسطيني، وبذاكرة شعب اعتاد أن يفرز من داخله من يقاوم ومن يلفظه التاريخ في خانة "العار" مهما طال الزمن