في حادثة اغتيال جديدة تُجسّد اتساع دائرة الدم التي يرسمها العدوان الإسرائيلي خارج حدود فلسطين، استشهد شابان في غارة إسرائيلية استهدفت قضاء النبطية جنوبي لبنان، أحدهما لبناني والآخر مصري، في مشهد تختلط فيه الجغرافيا لكن تبقى هوية الضحية واحدة: مدني أعزل يدفع ثمن حرب لا يشارك في قرارها.

 

الوكالة الوطنية للإعلام في لبنان أكدت أن مسيّرة إسرائيلية استهدفت مساء الإثنين سيارة رباعية الدفع بثلاثة صواريخ موجهة في بلدة الدوير، ما أدى إلى استشهاد سامر علاء حطيط (22 عامًا)، لبناني من أبناء البلدة، وأحمد عبد النبي رمضان (22 عامًا)، شاب مصري من مواليد وسكان الدوير أيضًا.

 

بين شاب يدرس ويعمل مع والده في بيع قطع السيارات، وآخر يساعد والده المصري في تصليح الثلاجات، جاءت الصواريخ لتقطع مستقبلين في لحظة واحدة، وتضيف إلى سجل الجرائم الإسرائيلية سطرًا جديدًا عنوانه هذه المرة: دم مصري يُراق على أرض لبنانية.

 

دم مصري على تراب الجنوب: تفاصيل جريمة بطائـرة مسيّرة

 

بحسب رواية الوكالة الوطنية، كانت الحياة تسير على إيقاعها اليومي في بلدة الدوير، قبل أن تخترق مسيّرة إسرائيلية الأجواء وتستهدف سيارة رباعية الدفع يستقلها الشابان بثلاثة صواريخ موجهة، ما أدى إلى احتراق السيارة بالكامل واستشهادهما على الفور.

 

الشهيد سامر علاء حطيط، شاب لبناني في الثانية والعشرين من عمره، طالب جامعي يعمل مع والده في مؤسسة لبيع قطع السيارات في النبطية. لم يكن مقاتلًا ولا يحمل سلاحًا، بل شابًا يحاول أن يوازن بين دراسته وعمل يساعد فيه عائلته، قبل أن يقرر صاروخ موجّه أن هذا الجهد اليومي يجب أن يُدفن تحت الركام.

 

أما الشهيد أحمد عبد النبي رمضان، فهو شاب مصري في نفس العمر، وُلد ونشأ في بلدة الدوير نفسها، ويساعد والده في ورشة لتصليح الثلاجات يمتلكها الأخير في البلدة. قصة عائلة مصرية بسيطة هجرت الفقر لتبحث عن لقمة عيش كريمة في لبنان، فإذا بها تجد نفسها في قلب مسرح مفتوح لغارات الاحتلال.

 

الجريمة لم تكن الوحيدة في ذلك اليوم؛ إذ سبقتها أو تزامنت معها غارة إسرائيلية أخرى استهدفت مدينة صور جنوبًا، وأسفرت عن مقتل شخص وإصابة اثنين، في سياق تصعيد مستمر يضرب جنوب لبنان منذ شهور، رغم الحديث عن تفاهمات وهدنات ومحاولات "احتواء" للمواجهة.

 

هكذا يتحول الجنوب اللبناني إلى ساحة مفتوحة للطائرات المسيّرة، تقتنص أهدافها من سيارة مدنية أو دراجة نارية أو منزل في قرية، تحت عنوان "أهداف عسكرية" بينما أسماء الضحايا وسيرهم الذاتية تقول شيئًا واحدًا: المدنيون هم الوقود الحقيقي لهذه الحرب.

 

استباحة للحدود وصمت مُقلِق: من يحمي المدنيين العرب من صواريخ الاحتلال؟

 

غارة النبطية ليست حادثة معزولة؛ فهي تأتي ضمن سلسلة ضربات إسرائيلية متواصلة على الجنوب اللبناني، وثّقتها تقارير دولية ولبنانية كجزء من نمط انتهاكات مستمر حتى بعد التوصل إلى تفاهمات وقف إطلاق النار. تقديرات الأمم المتحدة ووكالة الأنباء اللبنانية تشير إلى آلاف الخروقات للسيادة اللبنانية ومئات الشهداء والجرحى منذ تصاعد المواجهة على الجبهة الشمالية.

 

في هذه الحلقة الجديدة، يكتسب المشهد بعدًا عربيًا إضافيًا باستشهاد شاب مصري على الأراضي اللبنانية، في وقت تتزايد فيه علاقات الطاقة والتطبيع غير المباشر بين بعض الأنظمة العربية والاحتلال، بينما الدم العربي – لبنانيًا كان أو مصريًا أو فلسطينيًا – يظل مستباحًا أمام صواريخ الطائرات المسيّرة.

 

الأسئلة القاسية تفرض نفسها:

 

•  ما قيمة البيانات الإنشائية عن "إدانة العنف ضد المدنيين" ما دام الاحتلال يواصل استهداف سيارات ومحال وبيوت في الجنوب بلا ردع حقيقي؟

 

•  وأي حماية تقدمها الدول العربية لمواطنيها العاملين والمقيمين في مناطق التماس، إذا كان مصيرهم قد يُحسم بضغطة زر من غرفة عمليات في تل أبيب؟

 

صمت رسمي عربي خافت – أو محصور في عبارات دبلوماسية باردة – يقابله غضب واسع في الشارع اللبناني والعربي كلما سقط شهيد جديد، خاصة حين يكون شابًا في بداية العشرينات، لم يحمل سوى مفتاح محل أو حقيبة جامعة، لا بندقية ولا صاروخًا.

 

في النهاية، تكثّف جريمة النبطية مشهدًا أوسع: احتلال لا يعترف بحدود في استهدافه، وأنظمة رسمية لا تملك – أو لا تريد – أن تفرض خطوطًا حمراء حقيقية لحماية أرواح مواطنيها. وبين هذا وذاك، يظل اسم أحمد عبد النبي رمضان شاهدًا إضافيًا على أن الدم العربي واحد، وأن صواريخ الاحتلال لا تفرّق بين جنسية وأخرى حين تقرر أن تضيف ضحية جديدة إلى قائمة طويلة لم تُغلق بعد.