أنهت حكومة الانقلاب 2025 بقرار صادم على مستوى الكتلة الاجتماعية الأضعف: استبعاد نحو 620 ألف مستفيد من “تكافل وكرامة” خلال العام، مقابل ضم قرابة 570 ألف أسرة جديدة، بحسب مصدر مطّلع على ملف الدعم بمجلس الوزراء.

 

التبرير الرسمي يدور حول “مراجعة الحالة الاجتماعية كل ثلاث سنوات” واستبعاد من تحسنت أوضاعه أو من ثبت امتلاكه سيارات -وبالأخص “سيارات المعاقين”- لكن الأرقام وحدها تكشف مفارقة جارحة: حركة خروج ضخمة تقارب حجم الداخلين، في وقت لا يتوقف فيه التضخم عن طحن الدخول، وتتحول فيه شبكات الأمان إلى ساحة فرز قاسٍ لا يشرح للناس معاييره إلا بعد قطع المعاش.

 

استبعاد واسع تحت لافتة “المراجعة”… والنتيجة تهديد للاستقرار المعيشي

 

وفق المصدر فإن أسباب عدم التجديد تنوعت بين “تحسن أوضاع” وبين اكتشاف شراء سيارات معاقين، مع الإشارة إلى أن التضامن يوقف المعاش عن فئات تمتلك سيارات خاصة أو جرارات زراعية.

هذه الصياغة تبدو إدارية ومحايدة على الورق، لكنها على الأرض تعني شيئًا واحدًا: أي خطأ في التقييم أو أي التباس في الملكية أو أي تلاعب باسم المستفيد قد يطيح بمعاش هو في الأساس محدود القيمة.

 

وتزداد القسوة حين نتذكر أن الوزارة نفسها أعلنت في أكتوبر 2024 ضبط 44.5 ألف مستفيد حصلوا على “سيارات المعاقين” خلال ثلاث سنوات، وأوقفت بطاقاتهم باعتبارهم غير مستحقين.

الرسالة هنا ليست مكافحة فساد فقط، بل تثبيت سردية تضع جزءًا من الفقراء في خانة “المتحايلين” بدل الاعتراف بأن منظومة الاستهداف نفسها تسمح بالثغرات ثم تعاقب الكتلة الأوسع عند “التنقية” الدورية.

 

الأخطر أن موجة الاستبعاد لا تُنشر معها تفاصيل كافية عن آليات التظلم والشفافية في قرارات المراجعة، ولا عن مدى تدقيق البيانات على الأرض، ولا عن ضمانات عدم سقوط مستحقين بسبب تشابه أسماء أو تحديث بيانات أو أخطاء إدخال.

وبدون هذا، تتحول “المراجعة كل ثلاث سنوات” من أداة عدالة إلى أداة قلق دائم.

 

معاشات هزيلة وزيادة مؤجلة… والإنفاق لا يعني بالضرورة حماية

 

تُظهر أرقام الموازنة أن معاش “كرامة” يتراوح تقريبًا بين 705 و884 جنيهًا شهريًا حسب الحالة، بينما يصل الحد الأقصى لأساسي “تكافل” إلى 648 جنيهًا.

هذه المستويات بالكاد تلامس تكاليف أيام قليلة من الاحتياجات الأساسية في ظل موجات الغلاء، ومع ذلك يجري التعامل معها أحيانًا كأنها “امتياز” قابل للسحب بمجرد الاشتباه أو تغير معيار.

 

الحكومة تتحدث عن زيادة مستهدفة بنحو 20% اعتبارًا من أبريل المقبل، بالتوازي مع رفع مخصصات البرنامج في مشروع الموازنة الجديدة من 41 مليارًا إلى نحو 60 مليار جنيه عند عرضها على البرلمان في مارس.

لكن المفارقة أن الزيادة -حتى لو نُفذت- تأتي بعد عام شهد استبعادًا واسعًا، وكأن السياسة الاجتماعية تعمل بمنطق “نرفع القيمة لمن بقي” بدل ضمان ألا يخرج المستحق أصلًا.

 

ومن زاوية الإنفاق الفعلي، تشير بيانات منشورة عن السنة المالية 2025/2026 إلى ارتفاع الإنفاق على “تكافل وكرامة” ليصل إلى 17.3 مليار جنيه خلال الفترة من يوليو إلى نوفمبر مقارنة بالفترة المماثلة، وهي أرقام تعكس توسعًا ماليًا نسبيًا، لكنها لا تجيب عن السؤال الجوهري: هل يصل الدعم فعلًا لمن سحقهم الغلاء، أم أن التوسع يُستهلك في إدارة منظومة تلاحق “عدم الاستحقاق” أكثر مما تلاحق الفقر؟

 

قانون الضمان الاجتماعي: شروط أشدّ ومنظومة تُحاصر الفقر بقيود إجرائية

 

تزامن المشهد مع صدور قانون الضمان الاجتماعي رقم 12 لسنة 2025 الخاص بـ“تكافل وكرامة”، الذي وضع شروطًا تفصيلية للاستحقاق وحدد فئات “تكافل” المشروط وفئات “كرامة” غير المشروط. في “تكافل”، حصر القانون المستحقين في خمس فئات أسرية محددة، وفي “كرامة” أقر ثماني فئات تشمل ذوي الإعاقة والمرض المزمن الشديد وكبار السن واليتيم وغيرها.

هذا التقنين قد يبدو تنظيمًا، لكنه عمليًا يضيق مساحة الاجتهاد لصالح الفقراء خارج القوالب، ويزيد احتمالات الاستبعاد عند أي تعارض في الأوراق أو إثباتات الحالة.

 

وفي الوقت نفسه، يربط المصدر اتجاه الحكومة للتوسع في برامج الحماية الاجتماعية بما تم الاتفاق عليه مع صندوق النقد الدولي لحماية الأسر الأكثر احتياجًا من آثار التضخم وأعباء الدين الخارجي.

لكن ربط الحماية الاجتماعية بمسار “التوافقات المالية” يخلق تناقضًا دائمًا: توسع في المخصصات من جهة، وتشدد في الاستبعاد والمراجعات من جهة أخرى، بما يجعل الفقراء يعيشون بين وعد الزيادة وخوف القطع.

 

في النهاية، ما جرى في 2025 ليس مجرد تحديث قوائم، بل اختبار لجوهر البرنامج: هل “تكافل وكرامة” شبكة أمان ضد الفقر، أم أداة إدارية تُدار بمنطق الاشتباه والقصّ؟ حين يُستبعد مئات الآلاف في عام واحد بينما المعاشات نفسها هزيلة، تصبح القسوة سياسة، لا نتيجة جانبية.