يشهد المسار الليبي في الأسابيع الأخيرة تحولات لافتة، مع تقارب متسارع بين المملكة العربية السعودية وحكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، بالتوازي مع انفتاح مصري جديد على طرابلس، بعد سنوات من الرهان على الجنرال خليفة حفتر المحسوب على المحور الإماراتي.

 

هذا التحرك المتزامن يأتي في لحظة توتر سعودي–إماراتي في اليمن، وخلاف مصري–حفتر على خلفية دعم الأخير لقوات الدعم السريع في السودان، ما يطرح سؤالًا مباشرًا: هل نحن أمام إعادة تموضع هادئة تعيد توزيع الأدوار في ليبيا، أم بداية تحالف سعودي–مصري يستهدف تقليص نفوذ أبوظبي وحفتر معًا؟

 

من الفتور إلى الانفتاح: لماذا اقتربت الرياض من حكومة الدبيبة؟

 

على مدى السنوات الماضية، بقيت علاقة الرياض بحكومة الدبيبة علاقة فاترة؛ لا قطيعة كاملة، ولكن دون رهان سياسي أو اقتصادي كبير. فجأة بدأ الإيقاع يتغيّر:

 

دبلوماسيًا: رحّبت خارجية حكومة الدبيبة بمبادرة السعودية لعقد مؤتمر يجمع المكونات اليمنية الجنوبية، وأشادت بدور الرياض في تهيئة مناخ للحوار، بل ودعمت الموقف السعودي في اليمن علنًا، في لحظة تتسم بحساسية بالغة في العلاقة بين الرياض وأبوظبي بسبب تضارب الأجندات في الجنوب اليمني.

 

اقتصاديًا: استقبل الدبيبة في ١٠ نوفمبر وفدًا سعوديًا رفيعًا يضم مسؤولين من كبرى المجموعات الاستثمارية، لبحث فرص الاستثمار في الطاقة، والصناعة، والزراعة، مع حديث عن شراكات استراتيجية متوسطة وطويلة المدى.

 

صحف محلية وناشطون تحدّثوا بالفعل عن توجّه سعودي لدعم حكومة الدبيبة والتخفيف من الاعتماد على حفتر، بل وتنسيق لدعوة الدبيبة ووزراء بارزين إلى الرياض لمزيد من التنسيق السياسي والاقتصادي. في المقابل، يشكر الدبيبة القيادة السعودية على خطوات مثل إعادة فتح السفارة السعودية في طرابلس وتعزيز التمثيل الدبلوماسي.

 

في الخلفية، تتحرك السعودية في سياق أوسع من إعادة ضبط نفوذها الإقليمي:

 

- تضييق الخناق على أدوار إماراتية توسّعية في اليمن والقرن الإفريقي.

 

- البحث عن موطئ قدم أكثر توازنًا في ليبيا، بعيدًا عن الرهان الأحادي على معسكر الشرق.

 

من هذه الزاوية، يبدو التقارب مع الدبيبة جزءًا من استراتيجية أوسع: تنويع الحلفاء الليبيين، وعدم ترك الساحة بالكامل لحلفاء أبوظبي في الشرق والغرب معًا.

 

القاهرة تعيد الحسابات: غضب مكتوم من حفتر وهاجس السودان

 

بالتوازي مع الحراك السعودي، سجّل المشهد الليبي عودة لافتة للقاهرة إلى طرابلس، بعد قطيعة سياسية وتوتّر دام لأكثر من عامين مع حكومة الدبيبة. زيارة وفد مصري رفيع برئاسة نائب رئيس المخابرات العامة إلى العاصمة الليبية ولقاؤه بالدبيبة حملت أكثر من رسالة:

 

- بحث ملفات التعاون الأمني والاقتصادي.

 

- تأكيد من الدبيبة على أهمية التنسيق مع القاهرة لدعم الاستقرار في المنطقة.

 

خلف هذه اللغة الدبلوماسية، تقف أزمة ثقة متصاعدة بين مصر وحفتر؛ فالأخير، وفق تقارير صحفية وتحليلات سياسية، مضى في دعم قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي في السودان، رغم التحذيرات المصرية المتكررة من خطورة هذا المسار على الأمن القومي المصري المباشر.

 

السودان بالنسبة للقاهرة ملف حياة أو موت: حدود طويلة مفتوحة، نيل، لاجئون محتملون، ومخاوف من تحوّل الجنوب الليبي إلى قاعدة خلفية لصراع يمتد شمالًا. لذلك، كان طبيعيًا أن ينعكس إصرار حفتر على دعم حميدتي على برودة ملحوظة في علاقته بالنظام المصري، ويدفع القاهرة لإعادة فتح قنواتها مع طرابلس، ليس حبًا في الدبيبة بقدر ما هو بحث عن أوراق توازن جديدة في ليبيا.

 

الباحث السياسي المصري محمد السيد عرفة يقرأ هذا الانفتاح في إطار ما يسميه "تحالف مصري–سعودي" قيد التشكل، هدفه تضييق الخناق على الإمارات وحلفائها، ومنهم حفتر، فإذا استمر الأخير في تعنته «ربما تساهم الدولة المصرية في الضغط عليه وإنهاء مشروعه لصالح أطراف أخرى يكون لها الولاء للقاهرة وأمنها القومي». في سيناريو أقل حدة، قد تسعى القاهرة والرياض إلى انتزاع حفتر تدريجيًا من الحضن الإماراتي بدل إسقاطه بالكامل.

 

رفض لدور الإمارات أم مواجهة معها؟ إعادة تموضع لا قطيعة

 

عضو لجنة الدفاع والأمن القومي في مجلس النواب الليبي، ربيعة بوراص، تلتقط جوهر المشهد بعبارات دقيقة:

 

«ليبيا اليوم لا تتحرك بدافع المفاجآت، بل تحت ضغط الواقعية السياسية… هذا الانفتاح على القاهرة والرياض لا يعكس اصطفافًا بقدر ما يعبر عن محاولة لإعادة التموضع، وتوسيع هامش الحركة السياسية، بما يخرج المشهد الليبي من منطق المحاور المغلقة».

 

بمعنى آخر، حكومة الدبيبة تحاول الإفلات من حصار المحاور (تركيا–قطر من جهة، والإمارات–فرنسا–روسيا من جهة أخرى) عبر فتح نافذة على محور سعودي–مصري، مستفيدًا من هشاشة العلاقة بين هذا المحور وأبوظبي في اليمن والسودان.

 

المحلل السوداني عباس محمد صالح يذهب في الاتجاه نفسه؛ فهو يستبعد قيام تحالف «مصري–سعودي» صلب ضد الإمارات، لكنه يرجّح رفض القاهرة والرياض مجاراة أبوظبي في بعض سياساتها التي ثبت أنها تهدد مصالحهما «بشكل مباشر أو غير مباشر»، مع احتمال ظهور مواقف رافضة صريحة لبعض التحركات الإماراتية، ولكن دون الدخول في مواجهة شاملة، خاصة من جانب مصر التي لا تزال بحاجة إلى التمويل والاستثمارات الخليجية.

 

في المقابل، يرى عرفة أن التقارب مع الدبيبة يمكن أن يتحول – إذا استمر – إلى ورقة ضغط عملية على حفتر نفسه: فإما أن يبتعد عن المشروعات الإماراتية الأكثر استفزازًا لمصر والسعودية، خصوصًا في الملف السوداني، أو يتحوّل إلى «هدف مشروع» لتحالف إقليمي جديد لا يرى فيه رجل المرحلة المقبلة.

 

في المحصلة، يبدو أن ما يجري ليس انقلابًا كاملاً على الإمارات ولا اصطفافًا نهائيًا مع الدبيبة، بل مرحلة إعادة تموضع إقليمي تحاول فيها الرياض والقاهرة:

 

- حماية مصالحهما في اليمن والسودان وليبيا.

 

- الحد من المغامرات الإماراتية التي باتت تُرى في الرياض والقاهرة على أنها عامل عدم استقرار لا ورقة قوة فقط.

 

- استخدام الملف الليبي كورقة ضمن لعبة أوسع على امتداد الإقليم.

 

أما ليبيا نفسها، كما تقول بوراص، فهي «تمر بمرحلة بحث عن توازنات عقلانية، يكون فيها الانفتاح الدبلوماسي أداة لتحييد الصراعات، لا لتكريسها، وتمهيدًا لأي حل سياسي شامل ومستدام»؛ لكن ما إذا كان هذا الانفتاح سيقود فعلًا إلى تسوية، أم إلى فصل جديد من صراع المحاور على الأرض الليبية، فذلك ما ستكشفه الشهور المقبلة.