قُتل 12 شخصًا على الأقل، بينهم ثمانية عناصر من حزب الله، في سلسلة غارات إسرائيلية استهدفت، أمس الجمعة، مناطق في شرق وجنوب لبنان، أبرزها سهل البقاع ومحيط مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين، في خرق جديد لاتفاق وقف إطلاق النار الموقّع بين إسرائيل وحزب الله منذ نوفمبر 2024، وسط تحذيرات من أن استمرار هذه الضربات يجعل الهدنة إطارًا شكليًا لا يوقف الدم ولا يحمي المدنيين.
قصف البقاع ومقتل قيادي من حزب الله
وزارة الصحة اللبنانية أعلنت أن الغارات الإسرائيلية على مواقع عدة في البقاع أدت إلى مقتل 10 أشخاص وإصابة 24 آخرين، بينهم ثلاثة أطفال، بينما أفادت الوكالة الوطنية للإعلام بسقوط ستة قتلى وأكثر من 25 جريحًا في حصيلة أولية بعد “ضربات عنيفة” طالت المنطقة، في تطور وصفته وسائل إعلام لبنانية بأنه من الأعنف منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.
الجيش الإسرائيلي قال، في بيان، إنه شن غارات على “مقار تابعة لحزب الله في منطقة البقاع”، مؤكدًا أنها أسفرت عن مقتل “عدد كبير” من عناصر الوحدة الصاروخية في الحزب، وأنه “رصد العناصر الإرهابية وهم يعملون في الفترة الأخيرة لتسريع مراحل التسلح والجاهزية وخططوا لتنفيذ عمليات إطلاق ضد إسرائيل”، في محاولة لتبرير الضربة بوصفها “استباقية” في إطار ما يسميه “منع إعادة بناء القدرات العسكرية للحزب”.
رغم أن فرانس 24 ومصادر أخرى تحدثت عن سقوط 8 قتلى من حزب الله في الغارات، لم يؤكد الحزب رسميًا سوى مقتل قيادي واحد هو “القائد الجهادي الشهيد حسين محمد ياغي صادق”، نجل القيادي السابق محمد حسين ياغي، أحد مؤسسي الحزب ومعاون الأمين العام الراحل حسن نصر الله في مراحل سابقة، في ما بدا أنه محاولة للتركيز على الطابع القيادي للهدف بدل الاعتراف بحجم الخسائر البشرية الكاملة.
عين الحلوة تحت النار: استهداف حماس أم المدنيين؟
الغارات في البقاع جاءت بعد ساعات من ضربة إسرائيلية بطائرة مسيّرة استهدفت مخيم عين الحلوة، أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان والملاصق لمدينة صيدا، ما أسفر عن مقتل شخصين على الأقل وإصابة آخرين، بحسب وزارة الصحة اللبنانية، فيما تحدث شهود عن تصاعد الدخان من مبنى في حي مكتظ داخل المخيم، وتوجه سيارات الإسعاف إلى المكان لنقل الجرحى وسط حالة من الهلع بين السكان.
الجيش الإسرائيلي قال إنه استهدف “مركز قيادة تابعًا لحماس” في محيط المخيم، زاعمًا أن عمليات “إرهابية” كانت تُدار من هناك، وأنه “سيواصل التحرك بحسم” ضد تمركز الجماعة في لبنان، في سياق توسع واضح لحدود استهداف حماس خارج قطاع غزة، ونقل المواجهة إلى مخيمات اللاجئين التي تضم آلاف المدنيين، ما يرفع كلفة أي ضربة من حيث الأثر الإنساني والسياسي.
حماس أدانت الهجوم، وقالت في بيان إن الغارة أسفرت عن “ضحايا من المدنيين”، ووصفت الرواية الإسرائيلية بأنها “ذرائع واهية”، مؤكدة أن المبنى المستهدف “يتبع القوة الأمنية المشتركة المكلفة بالحفاظ على الأمن والاستقرار داخل المخيم”، وأن استهداف مخيم مكتظ “يمثل تصعيدًا خطيرًا واستهتارًا فاضحًا بالقوانين والأعراف الدولية”، وحمّلت الحكومة الإسرائيلية المسؤولية الكاملة عن تداعيات الهجوم، داعية المجتمع الدولي والدول العربية والإسلامية للتحرك لوقف هذه الاعتداءات.
اتفاق وقف النار… نص على الورق وخروقات متواصلة على الأرض
هذه التطورات تأتي في ظل استمرار التوتر على الجبهة اللبنانية، رغم سريان اتفاق وقف لإطلاق النار منذ نوفمبر 2024 أنهى مواجهة استمرت أكثر من عام بين حزب الله وإسرائيل. الاتفاق نص على تعهّد إسرائيل بوقف استهداف الأراضي اللبنانية برًا وبحرًا وجوًا، مقابل وقف حزب الله كامل عملياته العسكرية، لكن تقارير رصد الخروقات تشير إلى أن الواقع بقي بعيدًا عن الهدوء، مع استمرار الضربات الإسرائيلية في الجنوب والعمق اللبناني.
منذ الأيام الأولى للاتفاق، سجّل الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل عشرات ثم مئات الانتهاكات الإسرائيلية، بينها غارات جوية واستهداف قرى حدودية وتحليق مكثف للطيران، وعمليات اغتيال في العمق، حتى بلغت الخروقات الجوية أكثر من 7300 انتهاك خلال عام واحد، إضافة إلى أكثر من 2400 نشاط عسكري شمال الخط الأزرق، ما دفع محللين إلى القول إن إسرائيل “توقّع الاتفاقات لتتنكر لها”، وإن الاتفاق الحالي هش إلى درجة أنه بات إطارًا شكليًا فوق واقع صراع مفتوح منخفض الوتيرة.
في هذا السياق، يرى محللون مثل نعوم سركيس (المذكور في تغطيات عن حصيلة عام على وقف النار) أن الضربات الأخيرة تحمل رسالة مزدوجة: تعزيز الضغط العسكري على حزب الله لمنعه من إعادة ترميم قدراته، وربط لبنان أكثر بمعادلة الصراع مع حماس وإيران، بما يجعل أي انفجار أكبر على الجبهة اللبنانية احتمالًا قائمًا إذا استمرت وتيرة الخروقات والتصعيد فوق قدرة الوساطات على الاحتواء.
رسائل متبادلة… ومخاطر توسع المواجهة
إسرائيل تقول إنها “تواصل ضربات تهدف إلى منع حزب الله من إعادة بناء قدراته العسكرية”، وتعلن عن استهداف مواقع صاروخية ومعسكرات تدريب ومستودعات أسلحة في البقاع وجنوب لبنان، بينما تتهم بيروت تل أبيب بانتهاك السيادة اللبنانية واستمرار استهداف المدنيين، وتؤكد أن الجيش الإسرائيلي يسيطر على خمسة مواقع داخل الأراضي اللبنانية ويشن غارات متفرقة على الجنوب، تقول إنها تستهدف حزب الله أو عناصر من حماس، لكنها تخلّف في كثير من الأحيان ضحايا مدنيين، كما في عين الحلوة.
خالد حمادة، الباحث في الشؤون الأمنية والسياسية، يرى أن الهجوم على عين الحلوة لا يمكن فصله عن سياق أوسع يتعلق بالعلاقة الأميركية – اللبنانية، وأن إسرائيل تحاول تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية استمرار وجود حماس ونشاطها داخل المخيمات، واستخدام ذلك ذريعة لتوسيع بنك الأهداف، ما يضع الحكومة اللبنانية أمام ضغوط داخلية وخارجية في آن واحد، بين حماية مخيمات اللاجئين وبين ضبط نشاط الفصائل المسلحة داخلها.
في المقابل، يحذر خبراء حقوقيون من أن استهداف مخيمات اللاجئين، سواء في لبنان أو غزة، بذريعة وجود عناصر مسلحة، يهدد بتكريس نمط خطير من “العقاب الجماعي”، يخلط بين المدنيين والمقاتلين، ويضعف أي ادعاء بالتزام القانون الإنساني الدولي، خاصة عندما تكون حصيلة الضربات عشرات القتلى والجرحى، بينهم أطفال ونساء، كما تشير بيانات وزارة الصحة اللبنانية وتقارير المنظمات المحلية والدولية.
بين نص اتفاق وقف إطلاق النار وخروقات يومية، وبين ضربات تعلن إسرائيل أنها “دفاعية” وبين رواية لبنانية وفلسطينية ترى فيها “عدوانًا متكررًا على المدنيين”، يبقى الواقع على الأرض هو الحكم: مدنيون يسقطون في البقاع وعين الحلوة، وقيادات من حزب الله وحماس تُستهدف في العمق، وحدود جنوبية تعيش على وقع طائرات مسيّرة وغارات متقطعة، في ظل هدنة تبدو حتى الآن أقرب إلى “استراحة نار” من كونها وقفًا حقيقيًا للحرب.

