دعت جامعة الدول العربية إلى اجتماع طارئ على مستوى وزراء الخارجية، يعقد عبر الفيديو يوم الأحد 8 مارس 2026، لبحث ما وصفته بـ"الاعتداءات الإيرانية على أراضي بعض الدول العربية".

وجاء التحرك بعد طلب تقدمت به عدة دول عربية، بينها السعودية ومصر والأردن والكويت وقطر وسلطنة عُمان، في محاولة لتنسيق رد سياسي جماعي على الهجمات التي وسعت نطاق التوتر في الإقليم.

 

وقال الأمين العام المساعد للجامعة العربية حسام زكي إن الاجتماع سيعقد بشكل افتراضي، بينما أكد السفير عبدالعزيز بن عبدالله المطر، مندوب السعودية الدائم لدى الجامعة، أن الهدف هو صياغة موقف عربي موحد للتعامل مع ما اعتبره انتهاكات إيرانية تمس سلامة وسيادة الدول العربية، وتمثل خرقًا واضحًا للقانون الدولي ومبادئ حسن الجوار.

هذا التوصيف يعكس أن الدول الداعية لا تريد الاكتفاء ببيانات إدانة متفرقة، بل تسعى إلى إطار سياسي عربي أوسع يحدد طبيعة الرد وحدوده.

 

طلب جماعي ورسالة سياسية

 

يعكس طلب عقد الاجتماع أن دولًا عربية رئيسية رأت أن الهجمات الأخيرة لم تعد حدثًا أمنيًا عابرًا، بل تطورًا يفرض تحركًا دبلوماسيًا منظمًا داخل الجامعة العربية.

فالسعودية ومصر والأردن والكويت وقطر وسلطنة عُمان دفعت باتجاه الاجتماع، في وقت كانت الجامعة قد أصدرت قبل أيام موقفًا يؤكد رفض المساس بسيادة الدول العربية، ويصف الاستهدافات الإيرانية بأنها انتهاك سافر للقوانين والمواثيق الدولية ومبادئ حسن الجوار.

هذا التدرج من الإدانة إلى الاجتماع الوزاري يعني أن الملف انتقل من خانة المتابعة إلى خانة بناء موقف رسمي مشترك.

 

ويكتسب الاجتماع أهمية إضافية لأنه يأتي بعد سلسلة هجمات إيرانية طالت دولًا خليجية وعربية، وأدت إلى رفع مستوى الاستنفار الإقليمي، بالتوازي مع اتساع الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.

كما أن انعقاده عن بعد لا يقلل من دلالته السياسية، لأن الرسالة الأساسية ليست شكل الاجتماع بل توقيته، في لحظة تحاول فيها العواصم العربية منع انتقال الفوضى العسكرية إلى معادلة إقليمية جديدة تفرضها الصواريخ والطائرات المسيّرة.

 

بين الإدانة ومحاولة بلورة رد عربي

 

حتى الآن، لا توجد مؤشرات على أن الاجتماع سيذهب إلى قرارات تنفيذية تتجاوز الإدانة السياسية والتمسك بالقانون الدولي. لكن مجرد الحديث عن "صياغة موقف عربي موحد" يكشف أن بعض الدول العربية تريد تجاوز الصياغات التقليدية، ولو في حدودها الدنيا. السفير المطر قال بوضوح إن المطلوب هو الاتفاق على أسلوب التعامل مع الاعتداءات التي تتعرض لها الدول العربية، وهي عبارة تفتح الباب أمام نقاش يتجاوز الشجب إلى التنسيق السياسي وربما الأمني والدبلوماسي في المحافل الدولية.

 

وفي هذا السياق، تبدو قراءة الدكتور إكرام بدر الدين، أستاذ العلوم السياسية، مهمة لفهم خلفية التحرك العربي. بدر الدين قال إن حصار مضيق هرمز والتصعيد الإقليمي يحملان تداعيات خطيرة تتجاوز حدود الاشتباك المباشر، ما يعني أن الدول العربية لا تنظر فقط إلى الهجمات باعتبارها خرقًا للسيادة، بل أيضًا باعتبارها تهديدًا لاستقرار الإقليم ومصالحه الاقتصادية. هذا البعد يفسر لماذا يتحرك الملف داخل الجامعة في هذا التوقيت، وليس عبر القنوات الثنائية فقط.

 

وتدعم هذا التقدير قراءة الباحثة Allison Minor من المجلس الأطلسي، التي رأت أن الخليج الذي سيخرج من هذه الحرب لن يكون كما كان قبلها، وأن الكلفة الاقتصادية والأمنية للهجمات الإيرانية ستدفع دول المنطقة إلى إعادة حساباتها الاستراتيجية. هذه الخلاصة تمنح الاجتماع العربي بعدًا أوسع من مجرد رد فعل سياسي، لأنه يأتي في لحظة تعيد فيها العواصم العربية تقييم بيئة الأمن الإقليمي كلها، لا حادثة بعينها فقط.

 

اختبار جديد لفاعلية الجامعة العربية

 

السؤال الذي يفرض نفسه هنا لا يتعلق فقط بعقد الاجتماع، بل بمدى قدرة الجامعة العربية على إنتاج موقف له قيمة عملية. فالمؤسسة العربية تعرضت كثيرًا لانتقادات بسبب الاكتفاء ببيانات التنديد من دون أدوات ضغط حقيقية. لكن التطورات الأخيرة قد تدفع بعض الدول إلى محاولة تحسين الحد الأدنى من التنسيق، خصوصًا بعدما انتقلت الهجمات من ساحات الحرب التقليدية إلى دول كانت تحاول النأي بنفسها عن المواجهة المباشرة.

 

وفي قراءة أخرى، يرى الباحث خالد الجابر من مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية أن الرد الإيراني على الضربات الأمريكية والإسرائيلية يمثل خطأً استراتيجيًا جسيمًا، لأنه يهدد بتقويض حياد دول الخليج ويضعف فرص الوساطة الإقليمية. هذا التقدير يوضح سبب القلق العربي من استمرار الهجمات، لأن المسألة لم تعد مجرد تضامن سياسي مع دول مستهدفة، بل خطر مباشر على أي مساحة متبقية للتهدئة أو الوساطة.

 

لذلك، يدخل وزراء الخارجية العرب اجتماع الأحد 8 مارس 2026 تحت ضغط اختبار مزدوج.

الأول هو إثبات أن الجامعة قادرة على جمع موقف عربي متماسك في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب.

والثاني هو إقناع العواصم العربية بأن الإدانة وحدها لم تعد كافية إذا استمرت الهجمات واتسعت.

وبين هذين الاختبارين، سيحدد الاجتماع ما إذا كانت الجامعة العربية لا تزال تملك قدرة على الفعل، أم أنها ستكتفي مرة أخرى بإدارة الأزمة بلغة البيانات.