تضع التطورات الأخيرة في الإقليم القاهرة أمام معادلة شديدة التعقيد؛ فمن جهة، تتقارب مصر أمنيًا وسياسيًا مع الرياض في ملفات اليمن والسودان والصومال وليبيا، وتُتهم بالمشاركة في حصار النفوذ الإماراتي هناك.

ومن جهة أخرى، تستمر العلاقة الاقتصادية العضوية مع أبوظبي، التي تحوّلت إلى أكبر مستثمر أجنبي في السوق المصري، ما يجعل أي قطيعة كاملة مكلفة للغاية.

هذا التداخل بين التحالفات العسكرية والارتباطات المالية يثير تساؤلات حول قدرة النظام المصري على الموازنة بين شريكيه الخليجيين، وعن حدود اقترابه من حافة مواجهة إقليمية مفتوحة إذا تواصل التصعيد بين الرياض وأبوظبي.

 

انحياز أمني للرياض وغضب إماراتي مكتوم

 

وفي تقرير لموقع ميدل إيست آي، كشف عن تحول نوعي في الاصطفاف المصري؛ إذ نقل عن مصدر في الرئاسة أن القاهرة تبادلت مع السعودية تسجيلات ومعلومات استخباراتية حول نشاط الإمارات في اليمن، ودعمها «مليشيا الدعم السريع» في السودان، وصولًا إلى طلب سعودي بتجهيز وحدات من القوات البحرية المصرية لقطع أي خطوط إمداد محتملة من أبوظبي إلى جنوب اليمن.

 

هذه الخطوة، بحسب المصدر نفسه، أثارت غضب الإمارات التي حذّرت القاهرة من أن تحسين علاقتها مع الرياض على حسابها لن يمرّ دون ثمن، ملمّحة إلى ورقة الاستثمارات الضخمة التي ضختها في الاقتصاد المصري خلال الأعوام الماضية.

في الوقت نفسه، تنقل «بلومبيرغ» عن مصادرها أن السعودية تدرس تشكيل تحالف عسكري جديد يضم مصر والصومال، في إطار استراتيجية تهدف إلى تحجيم نفوذ أبوظبي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

 

هنا تكتسب قراءة الخبير العسكري المصري محمود جمال أهمية خاصة، إذ يذكّر عبر تدويناته بأن أي تحالف جديد في البحر الأحمر سيعيد رسم خرائط النفوذ على حساب الإمارات، ويضع القاهرة أمام التزام أمني واضح مع الرياض، لا مجرد اصطفاف رمزي.

 

 

من الصومال إلى السودان وليبيا.. القاهرة في قلب حصار النفوذ الإماراتي

 

على الأرض، يبرز الصومال كساحة أولى للتغيير؛ فبعد قرار مقديشيو إلغاء اتفاقيات أمنية وموانئ مع الإمارات وتعليق الرحلات العسكرية الإماراتية في أجوائها، تزايد الحضور العسكري المصري هناك، عبر زيارات متكررة لضباط من وزارة الدفاع إلى مقديشيو، وفق ما يؤكد أستاذ الدراسات الأمنية الصومالي حسن شيخ علي نور.

هذه التحركات تأتي في إطار اتفاقية عسكرية موقعة بين القاهرة والصومال، وتُقرأ كجزء من اصطفاف مصري – سعودي أوسع في القرن الأفريقي.

 

في السودان، تتحدث تقارير عن تطور غير مسبوق في دور الجيش المصري؛ إذ أشارت أنباء، نقلها التقرير، إلى ضربات جوية مصرية قرب العوينات استهدفت إمدادات عسكرية يُشتبه في أنها قادمة من الإمارات عبر قوات خليفة حفتر في ليبيا لصالح «الدعم السريع» بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي).

الباحث السوداني عباس محمد صالح رأى أن هذه الضربة كانت «رسالة أولى»، تلاها حضور نجل حفتر في القاهرة، في إشارة إلى أن مصر لم تعد تقبل الاستمرار في مشروع «الإمارات – حميدتي» الذي يهدد أمنها على حدودها الجنوبية.

 

هذه القراءة تتقاطع مع تحليلات إقليمية أوسع تربط بين الحرب في السودان والصراع على البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وتضع مصر في قلب التوازنات الجديدة.

صفحات بحثية وإعلامية مهتمة بالشأن الأفريقي حذّرت في تدوينات متداولة من أن اتساع الهوة بين الرياض وأبوظبي، مع دخول القاهرة على خط التحالفات الجديدة، قد يدفع المنطقة إلى «حرب باردة» على النفوذ والموانئ والقواعد.


 

وفي ليبيا، تشير تقارير أخرى إلى أن القاهرة أبلغت خليفة حفتر بضرورة الابتعاد عن أي ترتيبات عسكرية تموّلها أبوظبي لصالح قوات حميدتي، في خطوة تعكس إدراكًا مصريًا متزايدًا لخطورة تحوّل دعم الإمارات للمليشيات في السودان واليمن وليبيا إلى تهديد مباشر للأمن القومي المصري، لا مجرد لعبة نفوذ بعيدة.

 

اقتصاد مكبّل بالاستثمارات الإماراتية.. وتحذيرات من كلفة المسار

 

على الضفة الأخرى من المشهد، لا تزال أبوظبي الشريك الاقتصادي الأكبر لمصر؛ فوفق أرقام رسمية نقلها التقرير، بلغت الاستثمارات الإماراتية قرابة 38.9 مليار دولار منتصف 2024، مع صفقة «رأس الحكمة» وحدها بقيمة 35 مليار دولار، واستحواذات متتالية في الأسمدة والحاويات والتعليم والأغذية والطاقة والموانئ.

كما تتفاوض شركة «الكازار» الإماراتية للاستحواذ على محطة رياح «جبل الزيت» في البحر الأحمر، بالتوازي مع مشروع سياحي عمراني ضخم قرب رأس الحكمة.

 

رئيس هيئة الرقابة المالية محمد فريد أطلق بدوره «وثيقة تأمين سند الملكية العقارية» التي تمنح المستثمرين، ومنهم الإماراتيون، حصانة واسعة ضد أي منازعات مستقبلية، ما أثار تساؤلات بين خبراء اعتبروا أن الخطوة تفتح الباب أمام نوع من «الاستيطان الاقتصادي» في مناطق حساسة مثل الساحل الشمالي والبحر الأحمر.

 

السياسي محمد عباس يصف العلاقة بين النظامين المصري والإماراتي بأنها «علاقة عضوية»، مؤكّدًا أن السيسي لا يستطيع الاستغناء عن الدعم المالي الإماراتي الذي أنقذه مرارًا من أزمات طاحنة، لكنه في الوقت ذاته يشير إلى قلق متزايد داخل مؤسسات الدولة من أن تكون أبوظبي على الجانب المقابل لمصالح مصر في معظم الملفات الإستراتيجية، من تقسيم اليمن إلى دعم مليشيات السودان وصوماليلاند، وحتى التعاون مع إسرائيل في الإقليم.

 

الخبير في الشؤون العسكرية محمود جمال ينتقد «إصرار» النظام على توسيع الشراكات الاقتصادية مع الإمارات رغم هذه المخاطر، معتبرًا أن النظر إلى أبوظبي كمجرّد شريك استثماري يتجاهل كونها «فاعلًا إقليميًا يوظف المال لخلق نفوذ دائم واستخدام المليشيات والكيانات الوظيفية لزعزعة الاستقرار في السودان وليبيا واليمن والصومال».

تحليلات نشرها عبر منصات بحثية، بينها «المعهد المصري للدراسات»، تحذّر من أن التوسع الإماراتي في الساحل الشمالي قد يتحول إلى تمركز إستراتيجي على شريط حيوي يتصل بالأمن القومي المصري في المتوسط.

 

في هذا السياق، تعكس تقارير وبيانات من منصات إعلامية ليبية وعربية مخاوف متزايدة من أن يؤدي الصدام بين الرياض وأبوظبي إلى مزيد من تفكيك الجغرافيا السياسية حول مصر، بدل أن يفتح لها مجال حركة أوسع، خاصة مع استمرار الأزمات الاقتصادية والضغوط الاجتماعية الداخلية.


 

وبينما تعوّل دوائر داخل القاهرة على أن الانخراط في تحالف سعودي جديد يمنح مصر مظلة أمنية واقتصادية بديلة تدريجيًا عن أبوظبي، فإن حجم التغلغل الاستثماري الإماراتي، وتشابك الملفات الإقليمية من البحر الأحمر إلى السودان واليمن، يجعل أي قطيعة حادة خيارًا مكلفًا قد يدفع المنطقة بأسرها إلى حافة مواجهة إقليمية مفتوحة، تتجاوز حدود صراع النفوذ التقليدي إلى إعادة رسم الخرائط والتحالفات من جديد.