تكشف التحركات العسكرية والدبلوماسية بين القاهرة ومقديشو خلال الشهور الأخيرة عن إدراك متزايد لخطورة التحولات الجيوسياسية في القرن الأفريقي، خصوصًا بعد اعتراف الاحتلال الإسرائيلي بما يُعرف بـ"أرض الصومال" أو "صومالي لاند"، وما يحمله ذلك من تهديد مباشر لأمن البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.
هذا التطور فتح الباب أمام مستوى جديد من التنسيق المصري–الصومالي، يتجاوز المجاملة السياسية إلى شراكة دفاعية واضحة الملامح، وفق قراءة أستاذ الدراسات الأمنية في المعهد العالي للدراسات الأمنية بمقديشو، حسن شيخ علي نور.
تحرك عسكري مصري جديد نحو مقديشو
يؤكد حسن شيخ علي نور أن زيارات ضباط من وزارة الدفاع المصرية إلى الصومال جاءت مباشرة بعد التطورات المرتبطة باعتراف الاحتلال الإسرائيلي بـ"أرض الصومال"، بما يعكس تحولًا نوعيًا في مقاربة القاهرة للأمن في القرن الأفريقي.
ويوضح أن هذه الزيارات تمت في إطار تنسيق مباشر بين وزارتي الدفاع في البلدين، ضمن اتفاقية أوسع تشمل برامج تدريب وتسليح الجيش الصومالي بمختلف فئاته وتشكيلاته، بهدف رفع كفاءته في مواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة، وفي مقدمتها خطر التنظيمات المسلحة وعدم الاستقرار الداخلي.
ويرى نور أن القاهرة باتت تتعامل مع الساحة الصومالية باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لعمقها الاستراتيجي البحري، لا سيما أن أي اختلال أمني على السواحل الصومالية أو في خليج عدن سينعكس مباشرة على أمن الملاحة عبر البحر الأحمر وصولًا إلى قناة السويس.
لذلك، لا يُفهم تصاعد الحضور العسكري المصري في الصومال باعتباره مشاركة رمزية، بل كجزء من رؤية متكاملة لحماية الممرات البحرية الحيوية التي ترتبط بمصالح مصر الاقتصادية والأمنية على حد سواء.
اعتراف الاحتلال بـ"أرض الصومال" وقلق إقليمي متزايد
يرى الخبير الأمني الصومالي أن الاعتراف الإسرائيلي بـ"أرض الصومال" مثّل "جرس إنذار مبكر" لدول الإقليم، وعلى رأسها مصر، بسبب ما يحمله من احتمالات لتموضع عسكري أو استخباري إسرائيلي في محيط خليج عدن أو على السواحل الصومالية.
ويشدد على أن أي وجود عسكري إسرائيلي محتمل في هذه المنطقة سيُحدث اختلالًا واسعًا في ميزان الأمن الإقليمي، سواء لجهة مراقبة خطوط الإمداد البحرية أو التأثير في معادلات الأمن في البحر الأحمر وباب المندب.
ويضيف أن الصومال يجد نفسه في قلب تنافس دولي وإقليمي متشابك، يشمل الولايات المتحدة وتركيا وقوى أخرى فاعلة عسكريًا وسياسيًا في الساحة الصومالية، ما يجعل تحرك مصر نحو شراكة دفاعية أوثق مع مقديشو جزءًا من محاولة موازنة النفوذ وحماية هوامش الحركة الاستراتيجية للقاهرة في شرق أفريقيا.
ومن هذا المنظور، يبدو التعاون المصري–الصومالي مرشحًا للتوسع خلال الفترة المقبلة، كردّ مباشر على محاولات فرض وقائع جديدة على الأرض عبر الاعتراف بكيانات انفصالية أو محاولة استخدامها كورقة نفوذ على الممرات البحرية.
زيارة لاسعانود ورسالة "الصومال الواحد"
في السياق نفسه، يربط نور بين التطورات العسكرية والتحركات السياسية الداخلية في الصومال، مشيرًا إلى دلالات زيارة الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود إلى مدينة لاسعانود، عاصمة ولاية شمال شرق الصومال، والتي وصفها بأنها زيارة "تاريخية" ذات رسالة سيادية واضحة.
فبحسب تحليله، يمثل وجود الرئيس في هذه المدينة تأكيدًا عمليًا على وحدة الأراضي الصومالية، ورفضًا لأي محاولات لتثبيت واقع انفصالي أو فرض خرائط جديدة للنفوذ بدعم خارجي.
ويعتبر نور أن هذه الزيارة توجه إشارة مباشرة إلى أن الدولة الصومالية ما زالت تمارس سيادتها على كامل أراضيها، شمالًا وجنوبًا، وأن الحديث عن كيانات منفصلة أو اعترافات دولية بمنطقة دون أخرى لا ينسجم مع الواقع الميداني الذي تحاول مقديشو تثبيته عبر حضور سياسي وأمني مباشر.
ومن زاوية أوسع، يشكل هذا الموقف السيادي ركيزة مهمة لتقاطع مصالح القاهرة ومقديشو؛ فمصر التي تعلن دعمها لوحدة الأراضي الصومالية ترى أن تفكيك الدولة الصومالية يفتح الباب أمام لاعبين إقليميين ودوليين لاستغلال الفراغ، بما يهدد أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي ككل.
شراكة استراتيجية ممتدة من قناة السويس إلى المحيط الهندي
يذكّر حسن شيخ علي نور بأن العلاقات المصرية–الصومالية ليست وليدة اللحظة، بل تمتد تاريخيًا لقرون، وتشمل أبعادًا سياسية واجتماعية واقتصادية وأمنية متشابكة.
لكنه يلفت في الوقت ذاته إلى أن التطورات الأخيرة دفعت هذه العلاقات نحو مستوى أعلى من "التسييس الأمني"، حيث بات الموقع الجغرافي للبلدين يفرض نوعًا خاصًا من التشابك: من قناة السويس شمالًا، مرورًا بالبحر الأحمر وباب المندب، وصولًا إلى المحيط الهندي جنوبًا.
ويختم نور بالتأكيد على أن الأشهر المقبلة مرشحة لمزيد من تعزيز التعاون العسكري بين الجيشين المصري والصومالي، في ظل إدراك مشترك لحساسية المرحلة وخطورة التحركات الإسرائيلية في المنطقة.
وبرأيه، فإن هذا التعاون لا يخدم فقط أمن واستقرار البلدين، بل يسهم أيضًا في حماية المصالح الاستراتيجية المشتركة في واحد من أكثر الأقاليم حساسية على مستوى الأمن العالمي، حيث تتقاطع خطوط التجارة والطاقة مع مسارات النفوذ السياسي والعسكري الإقليمي والدولي.

