مصطفى عبد السلام

رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"

 

تعيش أسواق العالم لحظات حرجة وحالة من الاضطراب والارتباك الشديد، تتلقّى الأسواق الضربة تلو الأخرى، ما تكاد تفيق من صدمة حتى تتلقّى واحدة أعنف منها، تتقلب صعودًا وهبوطًا وتشهد تذبذبات عنيفة على خلفية التنامي غير المسبوق للمخاطر الجيوسياسية والاقتصادية، وتتراقص على قرارات وسياسات دونالد ترامب الكارثية التي لم يسلم منها أحد حتى دول التحالف وشركاء الولايات المتحدة، ولا فرصة في الأفق لالتقاط الأنفاس وحساب الأرباح والخسائر بدقة.

 

خلال يوم واحد، هو اليوم الاثنين، زادت المخاطر بشدة حول العالم، فتلقّت أسواق المعادن النفيسة دعمًا قويًا دفع بأسعار العقود الآجلة للذهب إلى القفز فوق 4600 دولار للأوقية لأول مرة على الإطلاق، فيما واصلت الفضة مكاسبها عند مستويات قياسية جديدة، كما زاد سعر البلاتين، وعادت الروح للعملات الرقمية التي تراجعت بشدة في الفترة الماضية، وعزّزت بيتكوين موقعها كأصلٍ بعيدٍ عن النزاعات والتوترات السياسية.

 

من أبرز تلك المخاطر تهديد إدارة دونالد ترامب استقلالية البنك الاحتياطي الفيدرالي مباشرة، إذ صعّد الرئيس الأميركي تهديداته ضد البنك الأبرز في العالم، وفتحت وزارة العدل الأميركية تحقيقًا جنائيًا مع رئيس البنك الفيدرالي جيروم باول، وهي خطوة أثارت مخاوف المستثمرين بشأن استقلالية البنك المركزي، وزاد من توتر الأسواق خروج باول علنًا قائلًا إن الإدارة الأميركية هدّدته بتوجيه اتهامات جنائية إليه، عقابًا له على عدم الخضوع لضغوطها بشأن سعر الفائدة، وأن التهديد ذريعة تهدف إلى ممارسة المزيد من الضغط على البنك المركزي لخفض أسعار الفائدة.

 

هذا التهديد الخطير خلق تحديات جديدة أمام البنوك المركزية العالمية وشكّل تهديدًا مباشرًا لاستقلاليتها في إدارة السياسة النقدية وتوجهات أسعار الصرف والفائدة، نظرًا لأهمية البنك الفيدرالي للقطاع المصرفي الدولي، وأربك الأسواق العالمية، وفي مقدمتها أسواق الصرف والعملات الرقمية حيث تراجع سعر الدولار مقابل اليورو، وزادت أسعار العملات الرقمية، وفي مقدمتها بيتكوين وإيثريوم، وزاد قلق البورصات والأسواق المالية حتى داخل وول ستريت نفسها.

 

الأسواق تلقّت ضربات ثانية ناتجة عن تدهور الوضع في إيران، في ظل احتجاجات شاسعة منذ أكثر من أسبوعين، وتلويح ترامب بإمكانية القيام بعمل عسكري ضد الدولة النفطية، بما في ذلك مواقع مدنية، بل وإعلانه صراحة أنه تجرى دراسة بعض الخيارات التي وصفها بالقوية جدًا، وأنه سيبحث اليوم الثلاثاء خيارات محدّدة للرد على الاحتجاجات، وأنه على تواصل مع زعماء المعارضة الإيرانية.

 

الضربة الثالثة التي تلقّتها الأسواق أمس جاءت من أسواق الطاقة، إذ تعهّد ترامب بقطع جميع تدفقات النفط والأموال المتجهة إلى كوبا، داعيًا السلطات إلى إبرام صفقة تجارية وسياسية، وردّ الرئيس الكوبي ميجيل دياز كانيل بغضب على التهديدات، مؤكدًا أن بلاده ترفض الإملاءات الخارجية وأن لا أحد يملك الحق في توجيه السيادة الكوبية.

 

أما الضربة الرابعة فجاءت من جبهة أوكرانيا التي قصفت ثلاث منصات حفر في بحر قزوين مملوكة لشركة النفط الروسية الكبرى "لوك أويل"، بهدف إضعاف القدرة الاقتصادية لروسيا على تمويل حربها على أوكرانيا، ورد روسيا القاسي على تلك الهجمات.

 

وهناك ضغوط أخرى جرت أمس، منها ممارسة أميركا ضغطًا على مجموعة السبع لتقليص الاعتماد على معادن الصين، وتواصل أزمة غرينلاند التي يسعى ترامب إلى السيطرة عليها، واستضافة الولايات المتحدة اجتماعًا بشأن المعادن الأرضية النادرة، مع التركيز على تلك المستخدمة في الإنتاج العسكري وقطاع التكنولوجيا، وطلب أميركا من مواطنيها سرعة مغادرة فنزويلا.

 

كل تلك المخاطر وغيرها حدثت في أقل من يومين، ولنا أن نتصوّر حجم الاضطرابات المتوقعة في الأسواق الدولية من جراء زيادة تلك الاضطرابات، وأن نتصوّر سعر الذهب في حال تصاعد التهديدات لاقتصاد العالم وأسواقه وقطاعه النفطي.