أثار رجل الأعمال والمصرفي البارز حسن هيكل، مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة «كازيون» للتجزئة، عاصفة من الجدل الاقتصادي بعد اقتراحه تنفيذ «مقايضة كبرى» لمعالجة تفاقم الدين المحلي في مصر، تقوم على استبدال جزء من هذا الدين بأصل سيادي بالغ الحساسية: هيئة قناة السويس، عبر نقل ملكيتها من وزارة المالية إلى البنك المركزي المصري.
الطرح، الذي قُدّم خلال لقاء تلفزيوني خاص على قناة «القاهرة والناس»، لم يكن تقنيًا بحتًا، بل مسّ واحدًا من أكثر الرموز السيادية حساسية في الوعي المصري. ورغم تأكيد هيكل أن المقترح «لا يمس أموال المودعين» وأن البنك المركزي سيواصل سداد الفوائد للبنوك كما كانت تفعل وزارة المالية، فإن الفكرة فتحت بابًا واسعًا للنقاش حول حدود الحلول غير التقليدية، والفصل بين إدارة الدين وإدارة الأصول السيادية.
قناة السويس على طاولة المقايضة: أرقام ضخمة وحسابات معقّدة
بحسب ما طرحه هيكل، فإن تنفيذ المقايضة يتطلب أولًا تقييمًا شاملًا لهيئة قناة السويس، عبر الجهاز المركزي للمحاسبات وبمشاركة شركة تقييم عالمية. وقدّر القيمة المحتملة للهيئة بنحو 200 مليار دولار، أي ما يعادل قرابة 10 تريليونات جنيه، استنادًا إلى متوسط إيرادات سنوية تقارب 10 مليارات دولار، مع استبعاد سنوات الأزمات الاستثنائية.
ويرى هيكل أن نقل الأصل إلى البنك المركزي يتيح تغطية خدمة الدين المحلي من عوائد القناة الدولارية، التي قد تصل إلى 6% سنويًا، مع سد أي فجوة عبر رفع نسبة الاحتياطي الإلزامي على البنوك إلى 18%. كما طرح سيناريو أقل تقييمًا، عند 100 مليار دولار، مقابل مقايضة ديون محلية بقيمة 5 تريليونات جنيه فقط، مع تقاسم الأرباح بين البنك المركزي ووزارة المالية إذا تجاوزت الإيرادات السنوية حاجز 10 مليارات دولار.
الطرح تضمّن أيضًا دعوة صريحة إلى خفض أسعار الفائدة إلى نحو 16%، وإعادة توجيه الإنفاق العام نحو ملفات اجتماعية، على رأسها تطبيق التأمين الصحي الشامل، باعتبار أن تخفيف عبء خدمة الدين هو المدخل لأي إصلاح اجتماعي حقيقي.
خبراء الاقتصاد: حل غير تقليدي… لكن السيادة ليست رقمًا
الخبير الاقتصادي هاني توفيق يرى أن المقترح «يعكس حجم المأزق الذي وصل إليه الدين المحلي»، معتبرًا أن التفكير خارج الصندوق أصبح ضرورة، لكنّه يحذّر من أن ربط أصل سيادي استراتيجي بالبنك المركزي يطرح تساؤلات عميقة حول الحوكمة والشفافية وحدود الدور النقدي.
أما نائب رئيس الوزراء ووزير الاستثمار الأسبق زياد بهاء الدين، فقد شدّد في مداخلات سابقة على أن الفصل المؤسسي بين السياسة النقدية وإدارة الأصول العامة ليس ترفًا تنظيميًا، بل شرط أساسي لاستقلال البنك المركزي. ويرى خبراء يشاركون هذا التوجه أن توسّع أدوار المركزي في حيازة أصول سيادية قد يفتح الباب لتسييس قرارات نقدية يفترض أن تبقى فنية.
في المقابل، يقدّم الخبير المصرفي أحمد شوقي قراءة أكثر براغماتية، مشيرًا إلى أن تدخل البنوك المركزية في تملك أصول خلال الأزمات ليس سابقة دولية. ويستشهد بتجارب الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي بعد أزمة 2008، لكنه يؤكد أن نجاح أي خطوة مماثلة في مصر مرهون بقواعد حوكمة صارمة، وإفصاح كامل، وضمانات قانونية واضحة تمنع استخدام الأصل السيادي كأداة تمويل قصير الأجل.
بين التجربة الدولية والخصوصية المصرية: أين يقف الخط الأحمر؟
هيكل دافع عن طرحه بالاستناد إلى تجارب دولية، مؤكدًا أن ميزانية البنك المركزي المصري تتضمن بالفعل مساهمات في بنوك محلية ودولية وشركات مالية، وأن امتلاك أصل يدرّ عوائد دولارية مستقرة قد يعزّز مناعة الميزان النقدي. كما دعا إلى تعظيم توزيعات الأرباح في الشركات التابعة لوزارة المالية، معتبرًا أن أزمة الدين لا تُحل بإجراء واحد، بل بحزمة إصلاحات متكاملة.
غير أن خبراء آخرين، من بينهم الباحث الاقتصادي وائل النحاس، يحذّرون من أن الخصوصية المصرية تختلف عن التجارب الغربية، لأن قناة السويس ليست مجرد أصل مالي، بل ورقة سيادة وجغرافيا سياسية، وأي تغيير في هيكل ملكيتها—even لو كان داخليًا—قد يُساء تفسيره داخليًا وخارجيًا، خاصة في ظل حساسية الممر الملاحي عالميًا.
ويرى هؤلاء أن البدائل الأقل كلفة سياديًا تشمل إعادة هيكلة الدين المحلي، وتوسيع قاعدة المستثمرين، وتحسين كفاءة الإنفاق، قبل الذهاب إلى حلول تمسّ رموز الدولة الاقتصادية.
في المحصلة، فتح طرح حسن هيكل بابًا كان مغلقًا، وأجبر دوائر القرار والخبراء على مواجهة السؤال الأصعب: إلى أي مدى يمكن الذهاب في الحلول غير التقليدية دون المساس بجوهر السيادة؟
الإجابة، كما يرى خبراء، لا تكمن في الرفض المطلق ولا القبول الأعمى، بل في نقاش وطني شفاف يوازن بين ضغط الأرقام وقدسية الأصول.

