مع اقتراب شهر رمضان، تعود أزمة ارتفاع الأسعار إلى الواجهة بقوة أكبر، محملةً بأعباء إضافية على كاهل المواطن المصري الذي يئن تحت وطأة غلاء فاحش لا يتناسب مع دخوله المحدودة. فبينما تتباهى الحكومة بانخفاض معدلات التضخم على الورق، تكذب الأسواق هذه المزاعم، حيث تشهد أسعار السلع الأساسية ارتفاعات مستمرة تفوق قدرة المواطن على المواجهة.

 

فقد سجلت أسعار الفول ارتفاعاً بقيمة 1.15 جنيه ليصل الكيلو إلى 65.2 جنيه، والسكر ارتفع 1.52 جنيه ليصل إلى 37.71 جنيه للكيلو، بينما وصل لتر زيت عباد الشمس إلى 96.68 جنيه بزيادة 44 قرشاً. هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات باردة، بل هي ترجمة حقيقية لمعاناة يومية يعيشها ملايين المصريين، تكشف عن فجوة كبيرة بين سياسات الحكومة الورقية والواقع المعيشي المرير.

 

فشل الحكومة في ضبط الأسواق: سياسات اقتصادية عشوائية

 

تتجلى أزمة ارتفاع الأسعار في غياب أي رؤية اقتصادية واضحة لدى الحكومة، التي تكتفي بتصريحات إعلامية تطمينية لا تسمن ولا تغني من جوع. فبدلاً من اتخاذ إجراءات فعالة لضبط الأسواق، تلجأ الحكومة إلى سياسة الدعم المؤقت التي لا تصل إلى مستحقيها بالكامل، وتترك الفجوات واسعة للتلاعب بالأسعار. فقائمة السلع التموينية المدعمة لشهر يناير 2026 تتضمن 33 سلعة فقط، بينما تغيب عنها العديد من السلع الأساسية التي تشهد ارتفاعات جنونية في الأسواق الحرة. كما أن طرح عبوة زيت 1.5 لتر بسعر 56 جنيهاً على بطاقات التموين لا يحل المشكلة، بل يؤكد عجز الحكومة عن السيطرة على أسعار السوق الحرة التي تصل فيها أسعار الزيت إلى أكثر من 96 جنيهاً للتر.

 

وتزداد حدة الأزمة مع اقتراب رمضان، حيث تتوقع الأسر ارتفاعات جديدة في الأسعار دون أن تلمس أي إجراءات استباقية من الحكومة لمواجهة هذا التقلب الموسمي. فبدلاً من تشديد الرقابة على التجار والمستوردين، ومحاسبة المحتكرين، تكتفي الحكومة بإصدار بيانات رسمية تتحدث عن "متابعة دقيقة" و"استقرار الأسواق" ، بينما يعاني المواطن من ارتفاع أسعار الفاكهة بنسبة 33.2%، والزيوت والدهون بنسبة 3.3%، والحبوب والخبز بنسبة 4.2% على أساس سنوي.

 

معاناة المواطن: بين دعم وهمي وأسواق جشعة

 

يعيش المواطن المصري اليوم في حلقة مفرغة من المعاناة، حيث لا يجد في بطاقة التموين سوى سلع محدودة لا تكفي احتياجات أسرته، مما يجبره على اللجوء إلى الأسواق الحرة التي تستغل حاجته. فالدعم المقدم عبر بطاقات التموين يغطي فقط 33 سلعة بأسعار مدعمة ، بينما يحتاج المواطن إلى أكثر من 1000 سلعة وخدمة استهلاكية شاملة تشمل الخضراوات واللحوم والدواجن والأسماك والبيض. وهذا يعني أن أكثر من 70% من احتياجاته اليومية تُشترى من الأسواق الحرة بأسعار ترتفع باستمرار.

 

وتتفاقم المشكلة مع غياب أي آلية فعالة لحماية المستهلك، حيث تسود الأسواق سياسة العرض والطلب المُحررة تماماً، دون تدخل حكومي حقيقي لضبط الأسعار أو محاسبة المتلاعبين بها. فارتفاع أسعار الفول بنسبة تصل إلى 65 جنيهاً للكيلو ، والمكرونة بزيادة 84 قرشاً ، يعكس حالة من الفوضى التسعيرية لا تُراعي القدرة الشرائية للمواطن. وفي ظل هذه الأوضاع، يجد المواطن نفسه محاصراً بين دعم وهمي لا يكفي، وأسواق جشعة لا ترحم.

 

الحلول المطلوبة: إرادة سياسية أم إعادة هيكلة حقيقية؟

 

لن تُحل أزمة الأسعار ببيانات إعلامية أو وعود وهمية، بل تتطلب إرادة سياسية حقيقية لإعادة هيكلة الاقتصاد المصري بشكل جذري. فالحكومة مطالبة أولاً بإعادة النظر في سياسات الدعم بأكملها، لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الفعليين، وتوسيع قائمة السلع التموينية لتشمل جميع السلع الأساسية، وليس فقط 33 سلعة محدودة. كما يجب تشديد الرقابة على الأسواق ومحاسبة المحتكرين والمتلاعبين بالأسعار، بدلاً من الاكتفاء بـ"متابعة دقيقة" لا تسفر عن أي نتائج ملموسة.

 

وعلى المستوى الاقتصادي الأوسع، يجب على الحكومة وقف سياسات التحرير الكامل للأسعار دون دراسة، والتي أدت إلى تفاقم الفجوة بين الأغنياء والفقراء. فتوقعات البنك الدولي بانخفاض الأسعار العالمية بنسبة 7% عام 2026 لا يمكن أن تتحقق على أرض الواقع ما لم تكن هناك سياسات وطنية فعالة لحماية المستهلك وضبط الأسواق. وفي النهاية، لن يجدي نفعاً أي حلول جزئية، فالأزمة أعمق من مجرد ارتفاع أسعار، إنها أزمة ثقة بين المواطن وحكومته، وأزمة إدارة اقتصادية فاشلة تستدعي مراجعة شاملة لكل السياسات المتبعة