يرى مصطفى عبد السلام، رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة العربي الجديد، أن المواجهة الدائرة في الشرق الأوسط لم تعد مجرد صراع عسكري تقليدي، بل أخذت تتجه تدريجياً نحو حرب اقتصادية شاملة، قد تتجاوز آثارها ما شهده العالم في أزمات مالية وطاقة كبرى خلال السنوات الماضية. فمع اتساع رقعة الضربات المتبادلة، بدأت المنشآت الاقتصادية والبنى التحتية الحيوية تدخل دائرة الاستهداف، الأمر الذي ينذر بتداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.

 

الحرب على إيران اقتصادية بامتياز

 

في مقاله المعنون "الحرب على إيران اقتصادية بامتياز" والمنشور في موقع العربي الجديد، يوضح الكاتب أن التصعيد الأخير يعكس تحولاً واضحاً في طبيعة الصراع. فبعد أن كانت المواجهات تركز أساساً على المواقع العسكرية والاستراتيجية، اتجهت العمليات العسكرية نحو المنشآت النفطية والمراكز الصناعية والبنية التحتية الاقتصادية، وهو ما يفتح الباب أمام أزمة طاقة عالمية قد تكون غير مسبوقة.

 

ويشير الكاتب إلى أن توسيع إسرائيل بنك أهدافها ليشمل مواقع نفطية ومنشآت تخزين الوقود في إيران، يعكس استراتيجية تستهدف الضغط الاقتصادي المباشر على طهران، عبر تعطيل قطاع الطاقة الذي يشكل العمود الفقري للاقتصاد الإيراني ومصدره الرئيسي للنقد الأجنبي.

 

استهداف الطاقة.. قلب المعركة الاقتصادية

 

من أبرز مظاهر هذا التحول استهداف المنشآت النفطية الإيرانية الحيوية. فالغارات الإسرائيلية طالت عشرات المواقع المرتبطة بقطاع الطاقة، بما في ذلك خزانات الوقود ومرافق التخزين في العاصمة طهران ومناطق أخرى. كما شملت الضربات مراكز توزيع الوقود، في محاولة لإحداث اضطراب في السوق المحلية والضغط على الشارع الإيراني.

 

ومن بين المواقع الأكثر حساسية التي تعرضت للاستهداف مستودع النفط في منطقة شهران، وهو مركز رئيسي لتخزين المشتقات النفطية وتوزيعها في طهران. ويشير الكاتب إلى أن هذه الضربات ليست مجرد عمليات عسكرية عابرة، بل تحمل أبعاداً اقتصادية واضحة تهدف إلى إضعاف قدرة إيران على إدارة قطاع الطاقة.

 

كما يلفت المقال إلى طرح إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب فكرة السيطرة على جزيرة خرج، وهي أحد أهم المراكز النفطية الإيرانية، إذ تمر عبرها نحو 90% من صادرات النفط الخام الإيرانية. وإذا تحقق هذا السيناريو، فإن الاقتصاد الإيراني قد يتعرض لصدمة شديدة، نظراً لاعتماده الكبير على عائدات النفط والغاز.

 

ردّ إيراني يوسّع دائرة المخاطر

 

في المقابل، لم تقف إيران مكتوفة الأيدي أمام استهداف منشآتها الحيوية، بل ردت عبر استهداف منشآت طاقة إسرائيلية، من بينها مصفاة النفط وخزانات الوقود في مدينة حيفا. وأعلن الحرس الثوري الإيراني تنفيذ هجوم صاروخي استهدف هذه المنشآت، مع التهديد بتوسيع دائرة الضربات لتشمل مزيداً من البنية التحتية للطاقة داخل إسرائيل.

 

ويرى الكاتب أن هذا التصعيد المتبادل يحمل مخاطر كبيرة على أسواق الطاقة العالمية، خاصة إذا امتدت الضربات إلى حقول الغاز الإسرائيلية في شرق البحر المتوسط، مثل حقلي تمار وليفياثان، اللذين يمثلان جزءاً مهماً من منظومة الطاقة في المنطقة.

 

فأي تعطيل واسع في هذه الحقول أو في حركة تصدير النفط والغاز من المنطقة قد يؤدي إلى قفزات كبيرة في أسعار الطاقة عالمياً، ويعيد إلى الأذهان الأزمات النفطية التي هزت الاقتصاد العالمي في مراحل سابقة.

 

المصارف ومضيق هرمز.. الاقتصاد في قلب الصراع

 

لا يقتصر الصراع الاقتصادي على قطاع الطاقة فقط، بل امتد أيضاً إلى القطاع المصرفي، وهو أحد أكثر القطاعات حساسية في أي اقتصاد. فقد استهدفت إسرائيل مصرف "بنك سبَه"، أحد أكبر البنوك العامة في إيران، ما يعكس انتقال المواجهة إلى مستوى جديد يشمل البنية المالية للدولة.

 

وردت طهران بتهديد المصالح المصرفية الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، ما يفتح الباب أمام حرب مالية واقتصادية أوسع قد تشمل استهداف المؤسسات المالية والبنية الاقتصادية المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل.

 

ويشير الكاتب إلى أن أحد الأهداف غير المعلنة للحرب يتمثل في السيطرة على الموارد الاقتصادية الإيرانية، بما في ذلك النفط والمعادن، فضلاً عن السيطرة على مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من صادرات النفط العالمية. وإذا تعرض هذا الممر الحيوي لأي اضطراب، فإن العالم قد يواجه أزمة طاقة حادة قد تتجاوز آثارها أزمات السنوات الماضية.

 

الخلاصة

 

تخلص قراءة مصطفى عبد السلام إلى أن الحرب الجارية لم تعد مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل تحولت إلى صراع اقتصادي واسع النطاق يتداخل فيه النفط والطاقة والمصارف والممرات البحرية الاستراتيجية. ومع اتساع نطاق الضربات المتبادلة، تزداد المخاوف من أن يتحول الشرق الأوسط إلى بؤرة أزمة اقتصادية عالمية جديدة.

 

فإذا استمرت الهجمات على منشآت الطاقة أو تعطلت طرق تصدير النفط، فقد يجد العالم نفسه أمام أزمة طاقة غير مسبوقة، تعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي وتضع الأسواق الدولية أمام اختبار صعب في السنوات المقبلة.