أسفرت النتائج النهائية للانتخابات البرلمانية المصرية عن تشكيل مجلس النواب بتركيبة تُظهر أغلبية كاسحة من الأحزاب والقوى القريبة من السلطة التنفيذية، في مشهد يعكس استمرار نمط الهيمنة على المؤسسة التشريعية، ويعيد طرح أسئلة قديمة جديدة حول استقلال البرلمان ووظيفته الفعلية. هذا التشكيل يأتي في توقيت بالغ الحساسية، مع اقتراب نهاية الولاية الثالثة للرئيس عبد الفتاح السيسي عام 2030، ما يمنح البرلمان الجديد وزنًا سياسيًا يتجاوز دوره التشريعي المعتاد، ويضعه في قلب حسابات المستقبل السياسي للدولة.
خريطة البرلمان: أغلبية صلبة بلا كتلة معارضة قادرة على الفعل
بحسب النتائج الرسمية المعلنة من الهيئة الوطنية للانتخابات، ثبّت حزب مستقبل وطن موقعه كأكبر كتلة داخل البرلمان، متقدمًا على حزبي حماة الوطن و**الجبهة الوطنية**. هذه الأحزاب الثلاثة، المصنّفة على نطاق واسع باعتبارها داعمة للسلطة التنفيذية، حصدت مجتمعة نحو 164 مقعدًا من أصل 596، فيما ذهبت غالبية المقاعد المتبقية إلى أحزاب صغيرة أو مرشحين مستقلين يُعرف معظمهم بقربهم من الحكومة.
خبراء في النظم البرلمانية يرون أن هذه الخريطة لا تترك مساحة حقيقية لتشكّل معارضة منظمة أو كتلة سياسية قادرة على المراجعة أو التعطيل، ما يحوّل التعدد العددي إلى تنوع شكلي بلا أثر سياسي. ويعزّز هذا المشهد اكتساح القائمة الوطنية من أجل مصر—وهي القائمة الوحيدة التي خاضت نظام القوائم المغلقة—لكافة مقاعد هذا النظام، في تكرار لسيناريو سابق حرم الناخبين من أي خيار بديل، ورسّخ مبدأ “القائمة الواحدة” كآلية لإغلاق المجال التنافسي.
صلاحيات دستورية واسعة… ودور سياسي مُفرغ من مضمونه
من الناحية الدستورية، يمتلك البرلمان المصري صلاحيات كبيرة تشمل إقرار القوانين والتشريعات، والموافقة على الموازنة العامة، وممارسة الرقابة على الحكومة، بل وتعديل الدستور ذاته. غير أن خبراء القانون الدستوري يشيرون إلى أن قيمة هذه الصلاحيات تُقاس بميزان القوى داخل المجلس، لا بنصوص الدستور وحدها. ومع تركيبة يغلب عليها الولاء التنفيذي، تتحول الصلاحيات إلى أدوات تمرير أكثر منها آليات مساءلة.
التجارب البرلمانية منذ 2015 تقدّم شواهد واضحة على هذا النمط؛ إذ جرى تمرير قوانين واتفاقيات حكومية—بما فيها تشريعات مثيرة للجدل—بسرعة قياسية ومن دون نقاش مجتمعي واسع أو استدعاء خبرات مستقلة. ويتوقع خبراء أن يستمر هذا النهج وربما يتعزز في البرلمان الجديد، في ظل غياب كتلة معارضة قادرة على فرض جدول أعمال بديل أو فتح ملفات رقابية حساسة.
ويشير مختصون في العلوم السياسية إلى أن البرلمان، في مثل هذه السياقات، يؤدي وظيفة “التصديق” أكثر من “التشريع”، ويصبح امتدادًا سياسيًا للسلطة التنفيذية بدلًا من كونه سلطة مستقلة توازنها. هذا التحول الوظيفي لا يُضعف البرلمان فحسب، بل يُفرغ فكرة الفصل بين السلطات من مضمونها العملي.
2030 في الأفق: برلمان لتأمين المسار السياسي ونسبة مشاركة تُقلق الشرعية
تكتسب هذه الدورة البرلمانية أهمية استثنائية لأنها الأخيرة قبل انتهاء الولاية الرئاسية الحالية في 2030، وهي الولاية التي يُفترض—وفق الدستور القائم—أن تكون الأخيرة. خبراء يرون أن البرلمان الجديد قد يلعب دورًا محوريًا إذا قررت السلطة الدفع نحو تعديلات دستورية جديدة، أو إعادة صياغة قواعد الحكم ومدد الرئاسة، أو تمرير تشريعات استثنائية تتعلق بالأمن والاقتصاد. وفي ظل أغلبية موالية شبه مطلقة، يصبح المجلس أداة مضمونة لتوفير الغطاء القانوني والسياسي لأي خطوة من هذا النوع، على غرار ما جرى في تعديلات 2019 التي مددت الولاية الرئاسية من أربع إلى ست سنوات.
في المقابل، لا يمكن تجاهل مؤشر المشاركة الشعبية؛ إذ بلغت نسبة المشاركة نحو 32% فقط من إجمالي من يحق لهم التصويت. خبراء السلوك الانتخابي يقرأون هذه النسبة باعتبارها تعبيرًا عن عزوف سياسي وفقدان ثقة في جدوى العملية الانتخابية، خاصة مع غياب التنافس الحقيقي وتكرار إلغاء وإعادة الاقتراع في عشرات الدوائر بسبب مخالفات. هذا الواقع يُلقي بظلاله على شرعية التمثيل، ويعزّز الانتقادات التي ترى أن البرلمان، رغم اكتمال شكله القانوني، يفتقر إلى تمثيل اجتماعي وسياسي حقيقي لشرائح واسعة من المجتمع.
يتزامن تشكيل البرلمان مع سياق أوسع يتسم بأزمة اقتصادية خانقة، وديون متصاعدة، واعتماد متزايد على القروض والاستثمارات الخليجية، إلى جانب انتقادات دولية متواصلة بشأن حقوق الإنسان وحرية التعبير. ورغم إطلاق “الحوار الوطني” منذ 2022، يرى خبراء أن مخرجاته لم تنعكس على بنية النظام السياسي، في ظل استمرار القيود على المجال العام. بذلك، يبدو البرلمان الجديد جزءًا من معادلة “استقرار مُدار” أكثر منه ساحة تمثيل وتداول.
خلاصة المشهد
يعكس البرلمان المصري الجديد إعادة إنتاج لنموذج تشريعي قائم على الهيمنة لا التعدد، وعلى التأييد لا الرقابة. ووفق توصيف خبراء، يغدو المجلس أداة سياسية لتثبيت القرارات الرئاسية وتمرير السياسات الحكومية، أكثر من كونه سلطة مستقلة تعبّر عن تنوع المجتمع أو تمارس دورها الرقابي الكامل. ومع اقتراب 2030، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يكون هذا البرلمان شاهدًا على استقرار طويل الأمد، أم محطة جديدة في مسار تضييق المجال العام وترسيخ الحكم الفردي؟

