في إشارة سياسية لا يمكن فصلها عن توقيتها ولا عن الجهة التي صدرت عنها، نشرت منصة SaudiNews50، المعروفة بقربها من دوائر رسمية في المملكة ويتابعها قرابة 22 مليون حساب، فيديو عالي الجودة مُنتج بالذكاء الاصطناعي، يشرح مسار هروب عيدروس الزبيدي، قائد محاولة انفصال جنوب اليمن، إلى أبوظبي، مع إبراز دور حكومة الإمارات العربية المتحدة في تسهيل خروجه. اختيار العنوان لم يكن عابرًا: «طريق الخيانة السريع». عبارة مكثفة تحمل دلالة واضحة على كيف تُقيّم المملكة العربية السعودية هذه الممارسات، وكيف تنظر إلى ما تعتبره تقويضًا لمسار استراتيجي يفترض أنه مشترك في اليمن.
https://x.com/mouradaly/status/2010181208668291315

منصة قريبة من القرار: لماذا الرسالة الآن وبالذكاء الاصطناعي؟
خبراء في الاتصال السياسي يرون أن اختيار SaudiNews50 تحديدًا ليس تفصيلًا هامشيًا. المنصة معروفة بخطابها المتماهي مع المزاج الرسمي السعودي، واستخدامها للفيديوهات عالية الإنتاج في لحظات سياسية دقيقة. أن يخرج محتوى بهذه الجودة، وبسردية درامية واضحة، وبعنوان مباشر يتحدث عن “الخيانة”، فهذا يعني أن الرسالة موجهة، ومقصودة، وليست مجرد رأي إعلامي منفلت.
الأهم أن الفيديو لم يكتفِ بسرد واقعة الهروب، بل قدّم سيناريو بصريًا يُظهر شبكة التسهيلات، ومسار الانتقال، والملاذ النهائي في أبوظبي، في صيغة تضع الإمارات في موقع الشريك الفاعل لا المراقب. استخدام الذكاء الاصطناعي هنا، بحسب خبراء الإعلام الرقمي، يضيف عنصرين: الأول هو القدرة على تبسيط الرواية وتكثيفها بصريًا، والثاني هو إضفاء طابع “التوثيق” الحديث الذي يسهل تداوله وإعادة نشره على نطاق واسع.
التوقيت بدوره لافت. فملف جنوب اليمن يشهد حالة جمود سياسي مقلقة، مع تصاعد الشكوك حول نوايا بعض الأطراف، وتباين الرؤى داخل المعسكر الذي يُفترض أنه واحد. الرسالة السعودية، كما يراها خبراء الشأن الخليجي، جاءت لتقول إن الصبر على ازدواجية الأدوار له حدود.

عيدروس الزبيدي: من شريك ميداني إلى عبء سياسي
الفيديو يضع عيدروس الزبيدي في قلب السردية بوصفه رأس محاولة انفصال جنوب اليمن، ويُظهر هروبه لا كخطوة شخصية، بل كجزء من مشروع أوسع. خبراء الشأن اليمني يلفتون إلى أن الزبيدي كان يُقدَّم في مراحل سابقة باعتباره فاعلًا ميدانيًا يمكن توظيفه داخل توازنات معقدة، لكن تحركاته الأخيرة، خاصة في اتجاه فرض واقع انفصالي بالقوة، جعلته عنصر توتر بدلًا من كونه ورقة ضغط.
ما يلفت النظر أن السرد السعودي لم يستخدم لغة رمادية. العنوان نفسه، “طريق الخيانة السريع”، يحسم التوصيف أخلاقيًا وسياسيًا. هذا يعكس، بحسب خبراء العلاقات الإقليمية، وصول الرياض إلى قناعة بأن مشروع الانفصال في الجنوب لم يعد مجرد اختلاف تكتيكي، بل تهديد مباشر لوحدة اليمن، وللأهداف التي أعلنتها السعودية منذ بداية تدخلها.
الهروب إلى أبوظبي، كما صوّره الفيديو، يُقدَّم كدليل على أن الزبيدي لم يعد يتحرك داخل الجغرافيا اليمنية، بل من خارجها، وبغطاء سياسي وأمني واضح. هذا التفصيل تحديدًا هو ما جعل الرسالة السعودية حادة، لأن الصراع هنا لم يعد داخليًا يمنيًا فقط، بل تشابكًا إقليميًا مكشوفًا.

الرسالة الأوسع: تصدع مكتوم داخل التحالف؟
خبراء السياسة الخليجية يجمعون على أن ما بثته SaudiNews50 لا يمكن قراءته بمعزل عن العلاقة السعودية–الإماراتية. صحيح أن الدولتين تجمعهما شراكة استراتيجية واسعة، لكن ملف اليمن ظل لسنوات نقطة احتكاك صامتة. الإمارات دعمت قوى محلية ذات أجندة مختلفة، بينما ركزت السعودية على إطار الدولة اليمنية الموحدة، ولو بحدود واقعية معقدة.
الفيديو، في هذا السياق، يبدو كإنذار علني، أو على الأقل تذكير بأن الرياض ترى في بعض التحركات الإماراتية خروجًا عن التفاهمات غير المكتوبة. استخدام منصة شبه رسمية، وبخطاب غير دبلوماسي، يشير إلى أن الرسائل المغلقة ربما لم تعد كافية.
اللافت أيضًا أن المحتوى لم يصدر عن جهة يمنية أو معارضة للإمارات، بل من منصة سعودية قريبة من القرار، ما يضفي عليه وزنًا سياسيًا مضاعفًا. خبراء الإعلام يرون أن هذه الخطوة تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إدارة الخلافات، حيث تُستخدم أدوات الرأي العام والضغط المعنوي بدل الاكتفاء بالقنوات الخلفية.
في المحصلة، “طريق الخيانة السريع” ليس مجرد فيديو، بل علامة على تصعيد محسوب في الخطاب، ورسالة تقول إن صبر الرياض على العبث بملف جنوب اليمن يقترب من نهايته. وإذا كان الذكاء الاصطناعي هو الأداة، فالمضمون سياسي بامتياز، وما بعده مرهون بكيف ستقرأ أبوظبي هذه الإشارة، وكيف ستُعاد صياغة قواعد اللعبة في اليمن