أعلن الجيش السوري، صباح السبت، الانتهاء الكامل من عملية تمشيط حي الشيخ مقصود في مدينة حلب شمالي البلاد، منهياً بذلك آخر بؤر تواجد تنظيم «قسد» داخل المدينة، في خطوة عسكرية حاسمة أعادت رسم خريطة السيطرة الميدانية، ووضعت حدًا لتصعيد دموي هدد أمن المدينة وسكانها خلال الأيام الماضية.

 

الإعلان لم يكن مجرد بيان عسكري، بل رسالة سياسية وأمنية واضحة مفادها أن مرحلة التراخي انتهت، وأن بسط السيادة بالقوة بات الخيار الوحيد في مواجهة تنظيم تنصّل من الاتفاقات ووسّع دائرة الاستهداف المدني.

 

تمشيط كامل وتحذيرات للمدنيين: نهاية آخر معاقل «قسد» داخل المدينة

 

أكدت هيئة العمليات في الجيش السوري اكتمال عملية تمشيط حي الشيخ مقصود بالكامل، وهو الحي الأخير داخل مدينة حلب الذي كان يتواجد فيه عناصر تنظيم «قسد»، بعد إخراجهم في وقت سابق من حيي الأشرفية وبني زيد.

وشددت الهيئة على ضرورة بقاء المدنيين داخل منازلهم وعدم مغادرتها في الوقت الراهن، بسبب احتمالات اختباء عناصر مسلحة بين الأهالي أو وجود عبوات ناسفة لم يتم تفكيكها بعد.

 

ودعت الهيئة السكان إلى التواصل المباشر مع القوات العسكرية المنتشرة في شوارع الحي في حال وجود أي طارئ، أو للإبلاغ عن أي تواجد لعناصر التنظيم داخل الأحياء السكنية، في مؤشر واضح على انتقال العمليات من الطابع العسكري المباشر إلى مرحلة تثبيت السيطرة الأمنية ومنع أي ارتداد مسلح.

 

وكان مصدر عسكري قد أعلن في وقت سابق أن القوات أنهت تمشيط أكثر من 90 بالمئة من مساحة الحي، مع تفكيك عشرات الألغام المزروعة في الشوارع والممرات، وهي ألغام وُصفت بأنها كانت معدّة لإعاقة تقدم القوات وإيقاع خسائر بين المدنيين والعسكريين على حد سواء.

 

اعتقالات ومصادرات: تفكيك البنية المسلحة للتنظيم

 

بحسب المصدر العسكري، أسفرت عمليات التمشيط عن اعتقال عدد من عناصر التنظيم دون تحديد رقم دقيق، إضافة إلى مصادرة أسلحة ثقيلة ومتوسطة، وكميات كبيرة من الذخائر والأسلحة الخفيفة، إلى جانب عبوات ناسفة كانت معدّة للتفجير داخل الأحياء السكنية.

 

وأكدت هيئة العمليات أن الخيار الوحيد المتبقي أمام العناصر المسلحة داخل الحي هو تسليم أنفسهم وسلاحهم فورًا لأقرب نقطة عسكرية، مقابل ضمان حياتهم وسلامتهم الشخصية، في تحذير مباشر لا يحتمل التأويل.

كما شددت على أن الجيش سيتعامل بحزم مع أي مصدر للنيران، وأن أي محاولة لإعادة الاشتباك ستُواجَه برد فوري يضمن أمن واستقرار المنطقة.

 

وأوضحت الهيئة أن الحي سيُسلَّم فور انتهاء العملية لقوى الأمن الداخلي ومؤسسات الدولة، لبدء مهامها بشكل مباشر، بما يشمل إعادة الانتشار الأمني، وتثبيت النقاط، وفتح الطرق، تمهيدًا لعودة الحياة المدنية تدريجيًا بعد أيام من التوتر والاشتباكات.

 

خلفية التصعيد: هجمات «قسد» وخرق الاتفاقات

 

تفجّرت الأوضاع في مدينة حلب منذ يوم الثلاثاء الماضي، عقب هجمات شنّها تنظيم «قسد» من مناطق تواجده آنذاك في أحياء الأشرفية وبني زيد والشيخ مقصود.

واستهدفت تلك الهجمات أحياء سكنية ومنشآت مدنية ومواقع للجيش، في تصعيد وصفته السلطات السورية بأنه غير مسبوق داخل المدينة.

 

ووفق أحدث الأرقام الرسمية، أسفرت الهجمات عن سقوط 9 قتلى و55 مصابًا، إضافة إلى نزوح نحو 165 ألف شخص، ما تسبب في واحدة من أكبر موجات النزوح داخل المدينة خلال السنوات الأخيرة، وأعاد إلى الأذهان مشاهد الفوضى الأمنية التي شهدتها حلب في مراحل سابقة من الحرب.

 

وردّ الجيش السوري بإطلاق عملية عسكرية وُصفت بالمحدودة يوم الخميس، تمكن خلالها من إخراج عناصر التنظيم من حيي الأشرفية وبني زيد وبسط السيطرة عليهما، ليبقى حي الشيخ مقصود آخر نقاط التمركز، قبل الإعلان اليوم عن تطهيره بالكامل.

 

ويأتي هذا التصعيد بعد تنصّل تنظيم «قسد» منذ أشهر من تنفيذ بنود اتفاق سابق مع الحكومة السورية، كان ينص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية شمال شرقي البلاد ضمن إدارة الدولة، وفتح المعابر والمطار وحقول النفط والغاز، وتأكيد وحدة الأراضي السورية، إضافة إلى انسحاب قوات التنظيم من مدينة حلب باتجاه شرق الفرات.

 

وأكدت الحكومة السورية أن الاجتماعات الأخيرة التي عُقدت في دمشق لم تُسفر عن نتائج ملموسة، وأن التنظيم واصل المماطلة وفرض الوقائع الميدانية، قبل أن ينتقل إلى التصعيد العسكري المباشر داخل مدينة مأهولة بالسكان، في خرق وصفته دمشق بأنه واضح وصريح للتفاهمات القائمة.

 

حلب بعد «قسد»: رسالة سيادية ومعادلة جديدة

 

إعلان تطهير حي الشيخ مقصود لا يحمل بعدًا أمنيًا فقط، بل يكرّس معادلة سياسية جديدة داخل مدينة حلب، مفادها أن الدولة السورية لن تقبل بوجود أي تشكيل مسلح خارج سيطرتها داخل المدن الكبرى.

كما يعكس تحوّلًا واضحًا في قواعد الاشتباك مع تنظيم «قسد»، بعد سنوات من التفاهمات الهشة التي لم تصمد أمام أول اختبار ميداني واسع.

 

وبينما تتجه الأنظار إلى ما بعد العملية، يبقى السؤال مفتوحًا حول المرحلة المقبلة شرق الفرات، في ظل استمرار الخلافات السياسية والعسكرية، وغياب أي مؤشرات جدية على التزام التنظيم بتنفيذ تعهداته السابقة.

لكن المؤكد، بحسب المعطيات الميدانية، أن حلب خرجت من معادلة الصراع مع «قسد» نهائيًا، وأن قرار الحسم العسكري بات خيارًا قائمًا كلما فشلت السياسة في فرض الحلول.