شهدت مدينة حلب خلال الساعات والأيام الماضية تطورات أمنية وسياسية متسارعة، عكست حجم التعقيد الذي يطغى على المشهد في الشمال السوري، مع إعلان وزارة الدفاع السورية وقفًا مؤقتًا لإطلاق النار في عدد من أحياء المدينة، مقابل منح مهلة لمسلحي «قوات سوريا الديمقراطية» الإرهابية (قسد) لمغادرتها، في وقت سرعان ما عادت فيه الاشتباكات، وسط نزوح واسع للمدنيين، وسقوط قتلى وجرحى، وتدخلات إقليمية ودولية على خط الأزمة.

 

هدنة مؤقتة ومحاولة لاحتواء التصعيد

 

أعلنت وزارة الدفاع السورية، فجر الجمعة، وقفًا لإطلاق النار في أحياء الأشرفية والشيخ مقصود وبني زيد بمدينة حلب، اعتبارًا من الساعة الثالثة فجرًا وحتى التاسعة صباحًا، في محاولة لاحتواء التصعيد العسكري الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية.

 

ورافقت الهدنة مهلة واضحة للمجموعات المسلحة التابعة لـ«قسد» لمغادرة المدينة، مع السماح لها بحمل السلاح الفردي الخفيف فقط، وتعهد الجيش السوري بتأمين خروجهم وضمان عبورهم الآمن نحو مناطق شمال شرقي البلاد.

 

وأكد بيان الوزارة أن قوى الأمن الداخلي، بالتنسيق مع هيئة العمليات في الجيش، تتولى تنظيم عملية الخروج، مشددًا على أن هذه الخطوة تأتي في إطار إنهاء الحالة العسكرية داخل المدينة، وتهيئة الظروف لعودة سلطة القانون، وتمكين الأهالي من العودة إلى منازلهم بعد موجات نزوح واسعة.

 

حظر تجوال وتمشيط أمني

 

بالتزامن مع إعلان الهدنة، فرضت السلطات السورية حظر تجوال كامل في عدة أحياء من مدينة حلب، بدءًا من مساء الخميس وحتى إشعار آخر، على خلفية تدهور الوضع الأمني وتصاعد هجمات «قسد». وأفادت مصادر ميدانية بدخول القوات الأمنية حي الأشرفية بعد مواجهات عنيفة، مع استمرار عمليات التمشيط بحذر شديد، خصوصًا لتأمين العائلات التي مُنعت من الخروج خلال الاشتباكات.

 

كما أعلنت وكالة الأنباء السورية «سانا» ضبط مستودع أسلحة وذخائر تابع لـ«قسد»، إضافة إلى سيارة مفخخة جرى العثور عليها في أحد الشوارع الرئيسية، في مؤشر على حجم التهديدات الأمنية التي واجهتها القوات الحكومية داخل الأحياء المتوترة.

 

عودة إطلاق النار وانهيار الهدنة

 

رغم الجهود الرسمية، لم تصمد الهدنة طويلًا، إذ تجدد إطلاق النار ظهر الجمعة، عقب انتهاء المهلة المحددة، خاصة في حي الشيخ مقصود. وأفادت تقارير ميدانية بأن عناصر من «قسد» الإرهابية، رفضوا مغادرة المدينة، وأطلقوا النار باتجاه نقطة للأمن السوري، أثناء محاولة إدخال حافلات لنقلهم إلى مناطق شرق الفرات.

 

وأكد الجيش السوري دخول حافلات جديدة إلى محيط حي الشيخ مقصود، بعد منح مهلة إضافية، في محاولة لإخراج المسلحين دون الانزلاق إلى مواجهة واسعة داخل الأحياء السكنية، في وقت أشارت فيه مصادر عسكرية إلى أن مجموعات مرتبطة بحزب العمال الكردستاني تصر على القتال ورفض الانسحاب.

 

كلفة إنسانية ثقيلة

 

على الصعيد الإنساني، كشفت بيانات صحة حلب عن سقوط ما بين 8 و9 قتلى، وإصابة عشرات الجرحى خلال الأيام الثلاثة الماضية، وسط نزوح واسع للمدنيين من مناطق الاشتباكات. وتشير تقديرات إلى أن عدد سكان حيي الأشرفية والشيخ مقصود كان يبلغ نحو 240 ألف نسمة، نزح منهم أكثر من 140 ألفًا، بينما لا يزال قرابة 100 ألف مدني عالقين في ظروف إنسانية معقدة.

 

ودعت الجهات الأمنية المواطنين إلى عدم التسرع في العودة إلى منازلهم، لحين إزالة الألغام وفتح الطرقات وتأمين البنية الخدمية الأساسية، في ظل مخاوف من مخلفات الحرب والعبوات غير المنفجرة.

 

تحليل عسكري: انهيار وشيك لـ«قسد»

 

في قراءة للمشهد الميداني، اعتبر الخبير العسكري اللواء فايز الدويري أن المعركة في حلب تشهد تغيرات دراماتيكية، مع تراجع حاد في القدرة القتالية لقوات «قسد» المحاصرة، وظهور مؤشرات على انشقاقات داخل صفوفها، بعد إدراكها أن المعركة خاسرة عسكريًا.

 

وأوضح الدويري أن الجيش السوري يدير المواجهة بحذر شديد، مراعيًا الاعتبارات الإنسانية وحساسية ملف الأقليات، مشيرًا إلى أن أسلوب التقدم البطيء وتقسيم المناطق إلى مربعات أمنية واستخدام النيران الدقيقة أسهم في تسريع انهيار القوة المدافعة، دون الانزلاق إلى حرب مدن طويلة الأمد.

 

حراك دولي وضغوط سياسية

 

على وقع التطورات الميدانية، برز حراك دبلوماسي لافت، إذ أعلن المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا العمل على تمديد الهدنة، مرحبًا بما وصفه «ضبط النفس وحسن النية» من جميع الأطراف. وفي السياق ذاته، شهدت دمشق زيارة هي الأرفع أوروبيًا منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر 2024، تمثلت في لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع برئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنتونيو كوستا.

 

وبحثت اللقاءات سبل دعم الاستقرار وإعادة الإعمار، وملفات الشراكات الاقتصادية والإنسانية، مع تأكيد أوروبي على وحدة الأراضي السورية، ودعم مرحلة انتقالية شاملة. كما أجرى الشرع اتصالات هاتفية مع نظيريه التركي والفرنسي، أطلعهم خلالها على مستجدات الوضع في حلب، مشددًا على أولوية حماية المدنيين وبسط سيادة الدولة.