أعاد مصرع القاضي الإسرائيلي بيني ساغي، رئيس محكمة بئر السبع، فتح أبواب واسعة من التساؤلات والشكوك، ليس فقط داخل الأوساط القضائية في كيان الاحتلال، بل على امتداد الفضاءين السياسي والإعلامي في المنطقة.

 

الحادث الذي وصفته وسائل إعلام عبرية، من بينها Times of Israel، بالمفاجئ والعنيف، وقع في توقيت بالغ الحساسية، مع تجدد الجدل حول ملف الغواصات الألمانية، وهو أحد أكثر ملفات الفساد إثارة للجدل، لارتباطه باسم رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وباسم قائد الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي، وسط اتهامات إعلامية وسياسية لم تُحسم قضائيًا، لكنها ظلت حاضرة بقوة في النقاش العام.

 

حادث غامض في توقيت ملتهب

 

وفاة القاضي بيني ساغي في حادث سير على طريق سريع أثارت صدمة داخل المنظومة القضائية الإسرائيلية، خاصة أنه كان يُنظر إليه كشخصية قضائية بارزة في جنوب الكيان.

بيان النعي الصادر عن وزارة العدل الإسرائيلية ركّز على مسيرته المهنية ودوره في إدارة ملفات حساسة، لكنه تجاهل أي إشارة إلى طبيعة القضايا التي كانت تمر عبر محكمته في الفترة الأخيرة.

 

الغموض لم ينشأ من الحادث نفسه بقدر ما نشأ من توقيته. فمصرع قاضٍ بهذا الموقع، في لحظة تتصاعد فيها الاتهامات والضغوط السياسية حول قضايا فساد كبرى، فتح الباب أمام تأويلات واسعة على منصات التواصل، خاصة في ظل تاريخ طويل من الصراع بين السلطة التنفيذية والجهاز القضائي في كيان الاحتلال.

 

وبينما تصر الرواية الرسمية على أن الحادث مروري بحت، يرى مراقبون أن السياق السياسي والقضائي لا يسمح بإغلاق الملف بهذه السهولة، حتى في غياب أي دليل مادي يربط بين الوفاة وأي قضية بعينها.

 

ملف الغواصات… فساد بلا نهاية واضحة

يتقاطع اسم القاضي الراحل مع ما يُعرف إعلاميًا بالقضية المتعلقة بصفقات الغواصات الألمانية، المرتبطة بشركة تيسنكروب.

هذا الملف مثّل لسنوات إحدى أكبر فضائح الفساد في كيان الاحتلال، بعد توجيه اتهامات لمسؤولين عسكريين ومستشارين مقربين من نتنياهو بتلقي رشاوى وعمولات.

 

الجدل تفجّر بقوة عندما كشفت تقارير صحفية أن نتنياهو منح موافقة سرية للمستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل لبيع غواصات مماثلة لمصر، دون المرور عبر القنوات المؤسسية داخل حكومة الاحتلال.

هذا القرار، بحسب المعارضة الإسرائيلية، مثّل مساسًا بالأمن القومي، وأثار شكوكًا حول دوافعه الحقيقية.

 

ورغم أن الصحافة الإسرائيلية أكدت أن أي محكمة لم تُثبت حصول نتنياهو على رشاوى مباشرة من مصر، فإن الاتهامات ظلت قائمة حول دور الوسطاء والعمولات، وهو ما أبقى الملف مفتوحًا سياسيًا وأخلاقيًا، حتى مع تعثر الحسم القضائي.

 

من تل أبيب إلى القاهرة وواشنطن… شبكة اتهامات عابرة للحدود

 

لم يتوقف الجدل عند حدود كيان الاحتلال، بل امتد إلى مصر والولايات المتحدة.

في القاهرة، ربط معلقون ومعارضون الصفقة باسم السيسي، معتبرين أن النظام المصري كان طرفًا مستفيدًا في منظومة علاقات مشبوهة، رغم غياب أي إدانة قضائية رسمية.

 

وعلى الصعيد الدولي، أعادت القضية إلى الأذهان فضيحة السيناتور الأميركي بوب منينديز، الذي وُجهت له اتهامات بالفساد في قضايا مرتبطة بتمويلات وصفقات خارجية.

هذا التوازي عزز سردية إعلامية ترى في ملف الغواصات نموذجًا لفساد سياسي عابر للحدود، تتقاطع فيه مصالح أنظمة وساسة وشركات سلاح.

 

وفي هذا السياق، أشار الباحث الأكاديمي نايل الشافعي إلى أن وفاة القاضي ساغي أعادت إشعال الأسئلة حول الضغوط التي تعرض لها القضاء الإسرائيلي في هذه القضية، دون أن يجزم بوجود علاقة سببية مباشرة.

 

وأخيرا يبقى مصرع القاضي بيني ساغي واقعة غامضة في سياق سياسي وقضائي شديد التعقيد.

فلا الأدلة المتاحة تؤكد وجود اغتيال، ولا السياق يسمح باعتبار الحادث مجرد تفصيل عابر.

وبين خطاب رسمي ينفي أي شبهة، ونقاش عام يربط الوقائع بملف فساد ثقيل، تظل الحقيقة معلّقة.

 

ملف الغواصات الألمانية، بما يحمله من اتهامات لنتنياهو وشبهات تطال النظام المصري، يظل مثالًا صارخًا على كيف يمكن للسياسة والمال والسلاح أن تتشابك بعيدًا عن المحاسبة.

أما وفاة القاضي، سواء كانت حادثًا عارضًا أو مجرد صدفة ثقيلة الظل، فقد أعادت التأكيد على أن هذا الملف لم يُغلق بعد، وأن ظلاله ستظل حاضرة في كل تطور جديد، داخل كيان الاحتلال وخارجه.