رغم مرور أشهر على إعلان وقف إطلاق النار في قطاع غزة، لا تزال آلة القتل الإسرائيلية تحصد الأرواح، وتُفرغ الهدنة من مضمونها، عبر اعتداءات متواصلة تستهدف المدنيين، والبنية التحتية، ومقومات الحياة، في مشهد يؤكد أن الحرب لم تتوقف فعليًا، بل تغيّرت أدواتها وأساليبها.

 

فجر اليوم الخميس، استشهدت الطفلة الفلسطينية همسة نضال حوسو (11 عامًا)، برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي، في منطقة الفالوجا غرب مخيم جباليا شمالي قطاع غزة، بعد أن أطلقت آليات الاحتلال نيرانها بشكل مباشر على المنطقة، في جريمة جديدة تضاف إلى سجل طويل من الانتهاكات المتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار.

 

هدنة منتهكة واعتداءات متصاعدة

 

وبحسب مصادر ميدانية، فقد ارتكبت قوات الاحتلال منذ ساعات الفجر الأولى تسعة اعتداءات جديدة على مناطق متفرقة من القطاع، شملت قصفًا جويًا ومدفعيًا، وإطلاق نار كثيف من الآليات العسكرية، في شمال ووسط وجنوب غزة، ما أسفر عن سقوط شهداء وجرحى، وترويع السكان، لا سيما في المناطق المكتظة بالنازحين.

 

وشهدت المناطق الشرقية لمدينة غزة غارتين جويتين نفذهما طيران الاحتلال الحربي، بالتزامن مع قصف مدفعي مكثف وإطلاق نار عشوائي من الآليات العسكرية، فيما استهدفت المدفعية حي التفاح شرقي المدينة، الذي تعرض خلال الليلة الماضية لغارة إسرائيلية دمّرت منزلًا مأهولًا لعائلة علوان، وأسفرت عن استشهاد مواطنين على الأقل وإصابة آخرين.

 

وفي وسط القطاع، فتحت آليات الاحتلال والطيران المروحي نيرانها باتجاه المناطق الشرقية لمخيم البريج للاجئين، بينما كثفت الدبابات الإسرائيلية قصفها للمناطق الشرقية والجنوبية لمدينة خان يونس جنوبي القطاع، في خرق واضح ومتكرر للهدنة الهشة.

 

أرقام دامغة وانتهاكات ممنهجة

 

وخلال الساعات الأربع والعشرين الماضية فقط، وثّقت جهات حقوقية فلسطينية نحو عشرين انتهاكًا لاتفاق وقف إطلاق النار، شملت تفجير منازل سكنية عبر مدرعات مفخخة، وعمليات نسف واسعة، وإطلاق نار مباشر، في مؤشر على سياسة تصعيد مدروسة تهدف إلى إبقاء القطاع تحت الضغط العسكري والنفسي.

 

وزارة الصحة الفلسطينية في غزة أعلنت أن مستشفيات القطاع استقبلت خلال 48 ساعة أربعة شهداء، بينهم شهيد جديد وثلاثة شهداء جرى انتشالهم من تحت الأنقاض، إضافة إلى سبع إصابات، مؤكدة أن عددًا من الضحايا لا يزالون عالقين تحت الركام وفي الطرقات، بسبب عجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليهم.

 

ووفق معطيات الوزارة، بلغ عدد الشهداء منذ وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر الماضي 425 شهيدًا، إضافة إلى 1,206 إصابات و688 حالة انتشال، فيما ارتفعت الحصيلة التراكمية منذ بدء العدوان في 7 أكتوبر 2023 إلى 71,395 شهيدًا و171,287 مصابًا، في واحدة من أكثر الحروب دموية في العصر الحديث.

إبادة مستمرة بدعم دولي

 

ومنذ السابع من أكتوبر 2023، يواصل الاحتلال الإسرائيلي، بدعم أمريكي وأوروبي وصمت عربي، ارتكاب جريمة إبادة جماعية بحق سكان قطاع غزة، شملت القتل الجماعي، والتجويع، والتدمير الواسع، والتهجير القسري، والاعتقال، في تجاهل صارخ للنداءات الدولية وأوامر محكمة العدل الدولية بوقف العدوان.

 

وقد خلّفت هذه الإبادة، وفق تقديرات فلسطينية رسمية، أكثر من 242 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، معظمهم من الأطفال والنساء، إضافة إلى أكثر من 11 ألف مفقود، ومئات آلاف النازحين، ومجاعة أزهقت أرواح الكثيرين، فضلًا عن تدمير شامل طال معظم مدن ومناطق القطاع.

 

كارثة إنسانية تتفاقم وتحذيرات أممية

 

في موازاة التصعيد العسكري، تتفاقم الكارثة الإنسانية في غزة بشكل غير مسبوق. فقد حذّرت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) من أن النقص الحاد في المساعدات الأساسية، إلى جانب الأحوال الجوية القاسية، يهددان حياة مئات الآلاف من السكان، في ظل انهيار البنية التحتية ومراكز الإيواء.

 

وقال المتحدث باسم الأونروا في غزة، عدنان أبو حسنة، إن الأوضاع الإنسانية “متدهورة وخطيرة للغاية”، مشيرًا إلى نقص حاد في مواد الإيواء والأدوية، وتدهور خطير في القطاع الصحي، وانتشار الأمراض، وتلوث المياه، وسوء التغذية.

 

وأوضح أن نحو مليون ونصف المليون فلسطيني يعيشون في خيام متهالكة لا تصمد أمام الأمطار والرياح، كثير منها نُصب قرب شاطئ البحر، ما يجعلها عرضة للغرق مع المدّ البحري، مؤكدًا أن غزة تحتاج بشكل عاجل إلى مئات الآلاف من الخيام، إلى جانب إدخال شامل للأدوية والمعدات الطبية.

 

وكشف أبو حسنة أن الأونروا تمتلك آلاف الشاحنات المحمّلة بالمساعدات، المتوقفة عند المعابر وفي مخازن الوكالة بمصر والأردن، تحتوي على مواد غذائية تكفي القطاع لثلاثة أشهر، ومواد إيواء لنحو مليون و300 ألف فلسطيني، لكنها لا تزال ممنوعة من الدخول.

 

استهداف الإغاثة وتغييب الحقيقة

 

وفي سياق موازٍ، تتصاعد الإجراءات الإسرائيلية التي تستهدف مؤسسات الإغاثة والعمل الإنساني في غزة، عبر فرض اشتراطات غير مسبوقة اعتبرتها منظمات دولية محاولة لتجريم العمل الإنساني وتكميم الشهود.

 

صحيفة واشنطن بوست الأمريكية كشفت أن الاحتلال فرض شروطًا قاسية على عمل المنظمات الإنسانية، من بينها مطالبتها بتقديم قوائم تفصيلية بأسماء موظفيها الفلسطينيين، ومعلومات دقيقة عن التمويل والأنشطة، ما اعتبره العاملون تهديدًا لسلامة الموظفين واستقلالية العمل الإغاثي.

 

أما صحيفة لوموند الفرنسية، فرأت أن استهداف المنظمات الإنسانية لا يهدف فقط إلى تعطيل الإغاثة، بل إلى إخفاء الحقيقة ومنع توثيق آثار الحرب والحصار، محذرة من أن تراجع دور هذه المنظمات يفتح الباب أمام مزيد من الجرائم بعيدًا عن أعين العالم.

 

فيما وصف موقع ميدل إيست آي البريطاني هذه الإجراءات بأنها تتويج لعامين من الإبادة، تهدف إلى حرمان الناجين من آخر أشكال الدعم، وربط تقديم المساعدات بالامتثال السياسي، في تصعيد خطير يهدد ما تبقى من مقومات الحياة في غزة.

 

غزة بين الرصاص والجوع

 

في ظل هذا المشهد القاتم، تقف غزة اليوم أمام معادلة قاتلة: رصاص الاحتلال من جهة، والتجويع والحصار ومنع الإغاثة من جهة أخرى.

وبينما تُغتال الطفولة تحت مسمى “الهدنة”، تتآكل القيم الإنسانية أمام صمت دولي وعجز أممي، يترك أكثر من مليوني إنسان يواجهون مصيرهم وحدهم، في واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.