تتجه أنظار المنطقة، اليوم الثلاثاء، إلى العاصمة الفرنسية باريس، حيث تنطلق جولة جديدة من المفاوضات السورية–الإسرائيلية برعاية مباشرة من الولايات المتحدة، في محاولة لإعادة ترتيب المشهد الأمني على واحدة من أكثر الجبهات حساسية في الشرق الأوسط، وسط حديث متزايد عن “اتفاق أمني” يعيد تفعيل تفاهمات قديمة ويؤسس لواقع جديد على الحدود.

 

ووفقًا لما نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية، فإن ممثلين رفيعي المستوى من الجانبين السوري والإسرائيلي يلتقون في باريس لاستئناف مباحثات متوقفة منذ نحو شهرين، في جولة توصف بأنها الخامسة ضمن المسار التفاوضي غير المعلن، وتركّز بشكل أساسي على إعادة إحياء اتفاقية فض الاشتباك الموقعة عام 1974.

 

رعاية أميركية وضغط سياسي

 

وتقود الولايات المتحدة هذه الجولة عبر مبعوثها إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، في مؤشر واضح على انخراط واشنطن المباشر في إدارة الملف، ليس فقط من زاوية أمنية، بل في إطار أوسع يستهدف تثبيت الاستقرار وفتح آفاق سياسية لاحقة.

 

وأكدت هآرتس، نقلًا عن مصادر إسرائيلية، أن الاجتماع يشارك فيه سفير إسرائيل لدى واشنطن، والسكرتير العسكري لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إلى جانب رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، ما يعكس مستوى الأهمية التي توليها تل أبيب لهذه الجولة.

 

كما كشفت الصحيفة أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أبلغ نتنياهو بوضوح اهتمامه بإحراز “تقدم حقيقي” في المسار التفاوضي مع سوريا، في سياق رؤية أميركية أوسع لإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية بعد التحولات الكبرى التي شهدتها سوريا أواخر عام 2024.

 

فريق إسرائيلي جديد… ورسائل محسوبة

 

من جهتها، نقلت صحيفة معاريف الإسرائيلية عن مصدر مطلع أن تل أبيب دفعت بفريق تفاوضي جديد إلى طاولة باريس، في محاولة لإضفاء زخم مختلف على المحادثات، مع الحرص على عدم إعطاء انطباع بحدوث اختراق سياسي كبير.

 

وأكد مصدر سياسي إسرائيلي للصحيفة أن استئناف المفاوضات لا يعني تغييرًا جذريًا في طبيعة العلاقات مع دمشق، بل يندرج في إطار “إدارة الواقع الأمني المعقّد” على الجبهة الشمالية، في ظل المخاوف الإسرائيلية من أي تصعيد غير محسوب.

 

الموقف السوري: السيادة أولًا

 

في المقابل، نقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية سانا عن مصدر حكومي أن الوفد السوري يشارك في المفاوضات برئاسة وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني ورئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة، وبالتنسيق المباشر مع الوساطة الأميركية.

 

وشدد المصدر على أن استئناف المباحثات يأتي تأكيدًا على الالتزام السوري باستعادة الحقوق الوطنية غير القابلة للتفاوض، موضحًا أن جوهر النقاش يدور حول إعادة تفعيل اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، بما يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما قبل خطوط الثامن من ديسمبر 2024.

 

وأضاف أن دمشق تطالب باتفاق أمني “متكافئ” يضع السيادة السورية الكاملة فوق كل اعتبار، ويضمن منع أي تدخل إسرائيلي في الشؤون الداخلية السورية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

 

واشنطن بين الأمن والتطبيع

 

وكان موقع أكسيوس الأميركي قد كشف، الأحد الماضي، أن الإدارة الأميركية تمارس ضغوطًا متوازنة على الطرفين السوري والإسرائيلي للتوصل إلى تفاهم يضمن استقرار الشريط الحدودي، ويمنع الانزلاق إلى مواجهات عسكرية مفتوحة.

 

وأشار الموقع إلى أن هذه المفاوضات قد تمهد، على المدى المتوسط، لفتح قنوات سياسية أوسع، وربما تضع الأساس لتطبيع دبلوماسي مشروط، إذا ما تم التوصل إلى ترتيبات أمنية مرضية للطرفين.

 

خلفية الصراع وتعقيدات الواقع

 

وتأتي هذه الجولة في سياق تاريخي شديد التعقيد؛ فمنذ عام 1967، تحتل إسرائيل معظم مساحة هضبة الجولان السورية، وفي أعقاب الإطاحة بنظام بشار الأسد أواخر عام 2024، أعلنت تل أبيب انهيار اتفاقية فصل القوات، ووسّعت وجودها العسكري داخل المنطقة السورية العازلة، ما فجّر توترًا جديدًا على الحدود.