في انقلاب صارخ على منطق الدولة الوطنية، تحوّلت الصحف والمواقع المقربة من نظام العسكر في مصر إلى وكالات سفر مجانية، تنشر تقارير يومية عن "فرص العمل السحرية" في كندا وأوروبا، كأنها لا تتحدث عن مواطنين يحملون الجنسية المصرية، بل عن بضائع بشرية تبحث عن أسواق تصديرية.

 

يأتي هذا الترويج الممنهج في وقت تتفاقم فيه أزمات البطالة والفقر والقمع، ليُسقط ورقة التوت الأخيرة عن نظام فشل في كل شيء إلا في تصدير أبناء شعبه. لم تعد "الهجرة غير الشرعية" مشكلة تستدعي الحلول، بل أصبحت الهجرة الشرعية نفسها "الحل" الوحيد الذي تقدمه الدولة لشبابها بعد أن أغلقت في وجوههم كل أبواب المستقبل.

 

دعاية الهجرة: غطاء إعلامي لفشل اقتصادي مدمر

 

تنشر المواقع الموالية للنظام تقارير يومية عن "رواتب خيالية" و"شروط ميسرة" للهجرة إلى كندا وألمانيا ودول أوروبية، لكنها تتعمد إغفال السياق الكارثي الذي يدفع الشباب للرحيل. فالدولة التي تفشل في توفير مليون فرصة عمل سنوياً، وتترك معدلات البطالة بين الشباب تتجاوز 25%، لم يعد أمامها سوى تسويق "الهجرة" كإنجاز وطني. يتحول المواطن من "ثروة بشرية" يجب الاستثمار فيها، إلى "عبء" يجب التخلص منه عبر تصديره للخارج. التقارير الإعلامية لا تتحدث عن أسباب الهجرة: الأجور المتدنية، التضخم المدمر، القمع السياسي، بل تقدم الهجرة كأنها فرصة ذهبية اقتنصها الشباب بذكاء. الحقيقة أن هذه الدول لا تفتح أبوابها للجميع، بل لمن يملكون مؤهلات عالية وخبرات نادرة، مما يعني أن مصر تخسر كوادرها الأكثر كفاءة بينما تبقى مع الفاشلين في الحكم.

 

ازدواجية الخطاب: بين "هاجر بأمان" و"لا تغادر الوطن"

 

تتناقض الدولة مع نفسها في كل بيان. فهي من جهة تروّج للهجرة عبر وزارة العمل والهجرة، وتنشر إعلانات "الفرص السحرية"، ومن جهة أخرى تحذر من "الهجرة غير الشرعية" وتتحدث عن "مخاطر الموت في البحر". هذا الخلط المقصود يهدف إلى تبرئة النظام من مسؤوليته عن تدهور الأوضاع. فبدلاً من أن تقول الحقيقة: "نحن فشلنا في إدارة البلاد فابحثوا عن مستقبلكم في الخارج"، تقدم نفسها كـ"الأم الحنون" التي تحذر أبناءها من المخاطر. الإعلام الموالي يلعب الدور الأقذر: ينشر قصص نجاح مبالغ فيها لمهاجرين، ويتجاهل قصص الفشل والاغتراب والتمييز العنصري. يتحدث عن "حماية المواطنين" من الهجرة غير الشرعية، لكنه لا يحميهم من بطش الأمن وظلم القضاء وفساد الإدارة التي تدفعهم للهروب أصلاً.

 

الشباب كسلعة: تصدير الكفاءات واستيراد الديون

 

تتحول سياسة "تصدير العمالة" إلى جريمة وطنية كاملة الأركان. فبدلاً من استثمار مليارات الجنيهات في مشاريع تنموية حقيقية، تُنفق على مشاريع عسكرية وهمية وقصور رئاسية. ثم يُسأل الشباب أن يتحملوا "أعباء الإصلاح الاقتصادي"، وأن يصبروا على الجوع، وأخيراً يُطلب منهم الرحيل. الدولة التي لا تستطيع توفير فرص عمل لشبابها، تتفاخر بأنها "تصدر"هم لدول أخرى، كأنهم منتجات زراعية أو صناعية. والأخطر أن هذا التصدير لا يعود بفوائد حقيقية على الاقتصاد، فمعظم المهاجرين يضطرون لإنفاق مدخراتهم على تكاليف السفر والإقامة، وما يرسلونه من تحويلات يذهب لسد عجز تجاري ونقدي تسبب فيه النظام نفسه. مصر تخسر شبابها، وخسارتها ليست مجرد أرقام في إحصائيات الهجرة، بل خسارة لمستقبل وطن بأكمله.

 

الخلاصة التي يجب أن يفهمها كل شاب مصري هي أن هذه الدولة لم تعد تستحق البقاء فيها، لكن الهجرة ليست الحل الحقيقي. الحل هو في تغيير هذا النظام الفاشل الذي يحول الوطن إلى سجن، ويحول المواطن إلى لاجئ في الخارج. الصحف الموالية تروّج للهجرة لأنها تعلم أن الثورة قادمة، وتريد تفريغ البلاد من شبابها قبل أن يحدث التغيير. لكن الحقيقة أن من يهاجرون هم الأحرار، ومن يبقون هم الأبطال الذين سيُسقطون هذا النظام ويستعيدون وطنهم.