سهام معط الله

أستاذة محاضرة في كلية الاقتصاد بجامعة وهران 2 في الجزائر

 

تُروى قصّة ذكية عن القائد الصيني تشوغ ليانغ (Zhuge Liang) خلال عصر الممالك الثلاث في الصين؛ عندما اقترب جيش خصمه القائد سيما يي (Sima Yi) وكانت قوّته قليلة العدد والعتاد، وبدلًا من إغلاق أبواب المدينة والاستعداد للدفاع، قام تشوغ ليانغ بفتح أبواب المدينة على مصراعيها، وأخفى الجنود داخل البيوت، وأمر بعض الناس بكنس الشوارع، وجلس فوق سور المدينة يعزف على آلة موسيقية بهدوء تام وكأنّه غير خائف. وعندما وصل القائد سيما يي ظنّ أنّ الأمر كمين خطير، فتراجع فورًا. وهكذا نجح تشوغ بخدعة ذكية عُرفت باسم "خدعة القلعة الفارغة" (Empty Fort Strategy)؛ وأصبحت هذه القصة مثالًا في الاستراتيجية العسكرية حول الحرب النفسية والخداع العسكري واستخدام الذكاء عندما لا تتوفّر القوّة، ولا تزال تُدرَّس ضمن استراتيجيات الحرب القديمة في الصين.

 

يبدو أنّ إيران قد قرأت هذا الدرس بعناية فائقة، وطبَّقته في مواجهة العدوان الأميركي الإسرائيلي بأسلوبٍ يتّسق مع حروب الجيل الخامس. وقد أصبحت السيارات الإيرانية المدنية العادية أهدافًا ثابتة لصواريخ أميركية وإسرائيلية تُقدَّر قيمتها بملايين الدولارات، وهنا يتّضح للعيان أنّ ما نشهده ليس مجرّد اشتباك عسكري تقليدي، بل إعادة تعريف جذري لمفهوم "حرب الاستنزاف" برمته؛ إنّها حرب استنزاف بالمعنى الاقتصادي الأوسع، واختبار قاس لمدى قدرة اقتصاد كل دولة على تحمُّل هذا النزيف الصامت.

 

فما تفعله إيران، بوعي أو بغير وعي، يقلب الموازين الراسخة في أذهان خبراء الاستراتيجية، ويكسر البديهية القائلة إنّ التقدُّم التكنولوجي الهائل وحده هو العامل الحاسم في المعارك. لقد أثبتت التجربة أنّ التكنولوجيا، مهما بلغت دقتها، تظلّ عاجزة أمام الذكاء البشري القادر على خلق واقع بديل، وأنّ معادلة النصر لم تعد تقاس بعدد الرؤوس الحربية التي أصابت أهدافها، بل بعدد المليارات التي أُهدرت في قصف "لا شيء"، وبالجيش الذي يستطيع الصمود في هذه اللعبة القاسية من النزيف الاقتصادي حتى الرمق الأخير.

 

بحسب تقرير نشرته شبكة "سي أن أن" بعنوان "إليكم التكلفة المتوقّعة للحرب مع إيران يوميًا" بناءً على تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، تكلِّف هذه الحرب الولايات المتّحدة نحو 891.4 مليون دولار يوميًا، وقد بلغت تكلفة أول 100 ساعة من هذه الحرب 3.7 مليارات دولار، ومن المتوقّع أن تُكلِّف العمليات الجوّية 30 مليون دولار يوميًا، بينما تُقدَّر تكلفة العمليات البحرية اليومية بنحو 15 مليون دولار، في حين تُكلِّف العمليات البرية 1.6 مليون دولار يوميًا.

 

لكن المفارقة الأكثر إثارة للدهشة تمثّلت في التحوُّل الدراماتيكي للموقف الأميركي من الاستهانة بالقدرات الإيرانية إلى السعي للاستعانة بخبرات الآخرين لمواجهتها؛ فبعد أن كانت الطائرات المسيّرة الإيرانية محط سخرية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ها هي اليوم تتحوَّل إلى كابوس يدفع كييف إلى عرض مساعدة خبرائها الذين اكتسبوا خبرة ميدانية في التصدِّي للمسيّرات الروسية، وهو العرض الذي قوبل بقبول فوري من قبل ترامب. ولم يكن هذا التحوُّل المفاجئ في الموقف إلا نتاجًا للصدمة الحقيقية التي أحدثتها التكاليف الباهظة للحرب، والتي دفعت ترامب نفسه إلى التراجع عن تهديداته السابقة بالاجتياح البرِّي، معتبرًا إياه "مضيعة للوقت"، بعد أن كان قد أعلن في وقت سابق عزمه على اجتياح إيران برًّا.

 

في خضمّ تصاعد المواجهة العسكرية بين إيران وإسرائيل، والتي تتحمَّل وطأتها دول الخليج العربية، كشفت صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية في تقرير نشرته يوم الجمعة 6 مارس/ آذار بعنوان "قد تعيد دول الخليج النظر في استثماراتها الخارجية لتخفيف الضغوط المالية الناجمة عن الحرب مع إيران" (Gulf states could review overseas investments to ease financial strains caused by Iran war) عن تحوُّل استراتيجي غير مسبوق في سياسة كل من السعودية والإمارات والكويت وقطر، يتمثَّل في إعادة تقييم شامل للالتزامات المالية الضخمة التي تعهَّدت بها تجاه الولايات المتّحدة، والتي كانت تهدف إلى استثمار مئات المليارات من الدولارات على الأراضي الأميركية خلال السنوات المقبلة.

 

ويأتي هذا التحوُّل الجذري بعد أن أدركت دول الخليج أنّ إدارة الرئيس ترامب، بدلًا من الاضطلاع بدورها التقليدي في حماية حلفائها، تقوم بسحب بطاريات "الثاد" والباتريوت" الدفاعية المتطوِّرة من قواعدها لتوفير غطاء آمن لإسرائيل، تاركة الأجواء الخليجية مكشوفة أمام الضربات الإيرانية، وأكثر من ذلك، أنّها تسخِّر القوّات الخليجية نفسها في مهمّة الدفاع عن المصالح الأميركية.

 

وفي خطوة تعكس عمق الأزمة، كشف التقرير أنّ هذه الدول باتت تدرس تفعيل بنود "القوّة القاهرة" في العقود المبرمة مع الجانب الأميركي، بهدف تعليق أو إلغاء تلك الاستثمارات، وتوجيه تلك السيولة الضخمة بدلًا من ذلك لتعزيز أمنها الداخلي الذي بات مهدَّدًا بشكل مباشر؛ حيث تتّجه إيران في عدوانها إلى استهداف الإمارات بشكل خاصّ بوابل من الهجمات الصاروخية، وقد أحدثت فيها خسائر فادحة طاولت البنية التحتية الحيوية والمنشآت النفطية، الأمر الذي أحدث شرخًا عميقًا في الصورة المثالية التي ظلّت الإمارات تبنيها لعقود ملاذًا آمنًا ووجهة جاذبة للسياحة والاستثمارات العالمية، لتتحوّل المعادلة برمتها إلى إعادة تشكيل جيوسياسي خطير في منطقة الخليج العربي. خلاصة القول، ترامب، الذي وعد بجلب استثمارات بتريليونات الدولارات، وإنعاش الخزانة الأميركية، ورَّط بلاده في حرب مكلفة من أجل إسرائيل، ستُكلِّفها أموالًا هائلة من جيوب دافعي الضرائب.