المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
شنّت إسرائيل بالتحالف مع الولايات المتحدة، مرةً ثانية خلال أقل من عامٍ، هجومًا واسع النطاق ضد إيران، متخذةً من برنامجها النووي والصاروخي ونفوذها الإقليمي ذريعةً لتحقيق هدفها؛ وهو إسقاط النظام الإيراني. وكانت إسرائيل قد شنّت حربًا على إيران، في يونيو 2025، استغرقت 12 يومًا، شاركت فيها الولايات المتحدة في ضرب المنشآت النووية الإيرانية. وعلى مدى ثلاثة عقود، أدّى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، دورًا مهمًّا في التحريض على إيران، وجعل من ضربها وإسقاط نظامها هدفًا رئيسًا في مسيرة حياته السياسية، بما يضمن استمرار احتكار إسرائيل السلاح النووي، ومنع ظهور أيّ قوة إقليمية منافسة لها. وكانت إسرائيل المحرّك الرئيس للجهد الدولي، الأميركي خصوصًا، لعزل إيران وفرض أقصى العقوبات عليها من أجل إضعافها وإرغامها على التخلّي عن مشروعها النووي، وصولًا إلى شنّ حرب عليها.
تاريخ من التحريض على إيران والاستعداد لضربها
أدّى بنيامين نتنياهو دورًا بارزًا في ترويج فكرة أن إيران تمثّل التهديد الوجودي الأكبر لإسرائيل، وكان من أكثر السياسيين الإسرائيليين إلحاحًا في الدعوة إلى مواجهتها. وقد دأب على ذلك منذ بدايات مسيرته الدبلوماسية والسياسية في أوائل الثمانينيات عندما كان يعمل في السفارة الإسرائيلية في واشنطن نائبًا لرئيس البعثة (1982-1984) قبل أن يُعيَّن سفيرًا لإسرائيل لدى الأمم المتحدة بين عامَي 1984 و1988، وهي الفترة التي بنى فيها شبكة علاقات واسعة داخل الدوائر السياسية والإعلامية الأميركية، وأصبح أحد أبرز المتحدثين الإسرائيليين باللغة الإنكليزية في الغرب. ومنذ تلك المرحلة المبكرة، بدأ يركّز على إيران باعتبارها التهديد الاستراتيجي الرئيس لإسرائيل، داعيًا الولايات المتحدة إلى تبنّي سياسة أكثر تشدّدًا نحوها.
ومع صعوده السياسي في التسعينيات، جعل من البرنامج النووي الإيراني القضية المركزية في خطاباته وسياساته، محذرًا من السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي. وطوال ثلاثة عقود، ظلَّ يكرّر مزاعم مفادها بأن إيران على بعد سنوات (وأحيانًا أشهر) من إنتاج قنبلة نووية. ففي 1992، عندما كان عضوًا في الكنيست الإسرائيلي، حذّر من أن إيران تبعد "من ثلاث إلى خمس سنوات" عن امتلاك القدرة على تطوير سلاح نووي. وفي 1993، نشر مقالًا حذّر فيه من خطر المشروع النووي الإيراني على إسرائيل، ومن أنّ إيران تشكّل التهديد الأكثر خطورة عليها، متوقّعًا أن تمتلك قنبلة نووية في 1999. وعندما صار رئيسًا للوزراء، في عام 1996، ألقى خطابًا أمام جلسة مشتركة للكونغرس الأميركي دعا فيه الولايات المتحدة إلى "وقف تسلّح الدول الإرهابية بالأسلحة النووية"، وقال: "الموعد النهائي لتحقيق هذا الهدف يقترب بسرعة كبيرة". وفي فبراير شباط 2009، عندما كان زعيمًا لحزب الليكود، ومرشّحًا لرئاسة الوزراء، قال نتنياهو لوفد من أعضاء الكونغرس الذين كانوا يزورون إسرائيل إن إيران "ربما تبعد سنة أو سنتين فقط" عن امتلاك قدرة نووية عسكرية، ناسبًا هذا التقدير إلى "خبراء إسرائيليين" من دون تقديم أدلة أخرى في هذا الشأن. لكنّ المثال الأكثر شهرة في الدلالة على مبالغته في تصوير تهديد إيران النووي كان في سبتمبر 2012، عندما صعد إلى منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة وهو يحمل رسمًا كرتونيًّا لقنبلة ذات فتيل مشتعل. حذّر نتنياهو العالم آنذاك من أن إيران تخصّب اليورانيوم بسرعة كبيرة إلى حدّ أنها قد تصبح قادرةً على إنتاج كمية كافية من المواد الانشطارية لصنع جهاز نووي خلال أشهر قليلة. ثم استخدم قلمًا ليرسم خطًًا أحمر عبر القنبلة المرسومة، ليحدّد المرحلة من البرنامج النووي التي قال إنه يجب عندها إيقاف إيران. وقال إن إيران قد تنتج سلاحًا نوويًّا عاملًا بحلول الربيع التالي أو "على الأكثر بحلول الصيف المقبل"، وقد مرَّ 14 عامًا على ذلك الخطاب، وظل يتحدّث عن امتلاك إيران الوشيك السلاح النووي.
خلال هذه السنوات، كان نتنياهو يلحّ في الدعوة إلى إزالة البنية التحتية للمشروع النووي الإيراني كليًّا، عبر فرض أقصى العقوبات الاقتصادية على إيران، بما يؤدّي إلى إنهاء مشروعها النووي أو إسقاط نظامها. ورأى أنه إذا ما فشلت العقوبات الدولية في تحقيق ذلك، فإنه يجب استعمال القوة العسكرية لتدمير المشروع الإيراني برمّته. ومن هذا المنطلق، عارض بشدة الاتفاق النووي الإيراني JCPOA الذي أُبرم في يوليو 2015، ودخل في صدام علنيٍّ مع إدارة أوباما في هذا الشأن، وقد بلغ الصدام ذروته في خطابه الشهير أمام الكونغرس الأميركي عام 2015، عندما عارض بشدة الاتفاق بين إيران والقوى الكبرى، واعتبره اتفاقًا خطِرًا يتيح لإيران أن تصبح قوة نووية. أثار ذلك الخطاب جدلًا كبيرًا في الولايات المتحدة؛ لأنه جاء بدعوة من قيادة الحزب الجمهوري في الكونغرس من دون تنسيق مع إدارة الرئيس أوباما. وبعد عقد تقريبًا، أكّد نتنياهو، مرةً أخرى، الأمر نفسه في خطاب أمام الكونغرس عام 2024؛ إذ شدّد مجدّدًا على أن إيران تمثّل الخطر الرئيس في الشرق الأوسط، وأن المواجهة معها حتمية، بعد أن كان قد أدّى دورًا مهمًّا في قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب، المتعلق بالانسحاب من هذا الاتفاق عام 2018.
بالتزامن مع التحريض المستمر ضد إيران، أخذت إسرائيل تُعِدُّ نفسها طوال ثلاثة عقود لشنّ حرب عليها من أجل تدمير مشروعها النووي في الحد الأدنى وإسقاط نظامها في الحد الأقصى. وقد تطلّب ذلك إجراء تغييراتٍ مهمّةٍ في بنية الجيش الإسرائيلي في ضوء التحولات المهمة التي طرأت على وسائل شن الحرب الحديثة. وركزت إسرائيل، خصوصًا، على تحسين قدرات سلاح الجو وتزويده بأحدث الطائرات والمسيرات العسكرية، وطائرات التزويد بالوقود في الجو، وتطوير الأقمار الاصطناعية لأغراض عسكرية، وتحسين أداء الاستخبارات العسكرية والأجهزة الأمنية المختلفة، ومنظومات السايبر والذكاء الاصطناعي؛ ورصدت لذلك الميزانيات الضخمة والكوادر المتخصّصة.
إلى جانب ذلك، بنَت إسرائيل، في العقود الثلاثة الأخيرة، أسطولًا حديثًا، يمكّنها من إنجاز عمليات في أعالي البحار، وقد شمل ذلك تزويد البحرية بستّ غواصات ألمانية الصنع من نوع "دولفين" قادرة على حمل رؤوس نووية، ومن ثمّ تمنح إسرائيل القدرة على توجيه الضربة النووية الثانية. وقد مكّن بناء قوة الجيش الإسرائيلي بهذه الطريقة من أن تصل قدرات قوته الضاربة إلى الدائرة الثانية من الدول التي تبعد عن إسرائيل أكثر من ألف كيلومتر، على نحو يشمل إيران ضمنيًّا.
تهيئة الظروف للهجوم على إيران
استفاد نتنياهو من الظروف الإقليمية والدولية التي نشأت بعد عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر 2023، لإضعاف إيران وتجريدها من عناصر قوتها، خصوصًا شبكة حلفائها الإقليميين، وصولًا إلى شنّ الحرب عليها. واستغل عودة ترمب إلى الحكم في الولايات المتحدة لتحقيق "حلمٍ قديم" متمثّل في شنّ حرب على إيران في يونيو 2025، استمرت 12 يومًا وجّهت خلالها إسرائيل والولايات المتحدة ضربة شديدة إلى إيران، وخصوصًا منشآتها النووية. وقد تبلورت لدى إسرائيل على مدى سنوات قناعة مفادها بأن النظام الإيراني لن يتخلى بسهولة عن مشروعه النووي، وأن أفضل طريقة لوضع حد لذلك إسقاط النظام الإيراني نفسه. وافترض الساسة الإسرائيليون أن النظام الإيراني ما دام قائمًا فإنه سيسعى، لا محالة، للحصول على السلاح النووي لأسباب عديدة تتعلق برؤيته لمكانة إيران ودورها في المنطقة، فضلًا عن سعي النظام الإيراني لحماية نفسه من التهديدات الخارجية الأميركية أو الإسرائيلية، ويشمل ذلك اعترافًا ضمنيًّا بأنّ السلاح النووي، في هذه الحالة، هو وسيلة ردع. ورأت دراسة نشرها معهد أبحاث الأمن القومي في أعقاب حرب يونيو 2025، أنه ينبغي لإسرائيل اتباع استراتيجية متعددة الجوانب من أجل إسقاط النظام الإيراني، تستند إلى أربعة محاور، هي: أولًا، القضاء على القيادة الإيرانية في بداية أيّ عملية عسكرية، ويشمل ذلك المرشد علي خامنئي وكبار قادة الدولة في المستويين السياسي والعسكري. ورأت الدراسة أن من شأن ذلك زعزعة نظام الحكم الإيراني، وخلق واقع جديد قد يؤدّي إلى إسقاط النظام. ثانيًا، إنشاء قنوات تواصل سرية مع عناصر عسكرية وأمنية وسياسية إيرانية، وناشطين في المجتمع المدني وقادة من الأقليات القومية، وتقديم أنواع مختلفة من المساعدة لهم من أجل العمل على إسقاط النظام. ثالثًا، تشجيع المعارضة الإيرانية في الخارج ودعمها، وتهيئتها للعودة إلى إيران، ما إن تندلع مظاهرات واسعة النطاق وتظهر "حالة ثورية" في إيران، ومساعدتها في الوصول إلى السلطة. رابعًا، تقديم المساعدة للأقليات القومية في إيران، ودعم نشاطها وتوجيهه نحو الانفصال لزعزعة النظام الإيراني وإضعافه.
انطلق التنسيق بين إسرائيل والإدارة الأميركية لشنّ الحرب على إيران بعد فترة وجيزة من انتهاء العمليات العسكرية في يونيو 2025. وعلى الرغم من إعلان كل من الرئيس الأميركي ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو عن تحقيق "نصر باهر" في تلك الحرب، فإن إدارة ترامب لم تتمكّن من فرض شروطها على إيران فيما يخص المشروع النووي وبرنامج الصواريخ البالستية، ولا سيما أن كميات كبيرة من اليورانيوم المخصّب بقيت في حوزة إيران من دون أن يُعرف مصيرها على وجه التحديد، وما إذا كان في إمكان إيران استخدامها والوصول إليها. وفي أواخر 2025، بدأت إسرائيل تسرّب معلومات عن نجاح إيران في ترميم منشآت تصنيع الصواريخ البالستية، ومتابعة العمل المتعلق بمشروعها النووي.
وساهمت موجة الاحتجاجات التي اندلعت في إيران في ديسمبر - يناير 2026، وقمع السلطات الإيرانية إيّاها، في توفير ذريعة للرئيس الأميركي ترامب لزيادة الضغط على إيران حتى تقبل بشروطه. وقد أدّى رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو دورًا مهمًّا في تشجيع ترمب على شنّ حرب جديدة ضد إيران أثناء زيارته لواشنطن في بداية فبراير 2026. واتفق كلاهما بعد ذلك على أن تبدأ إسرائيل الهجوم بقتل خامنئي ومن معه من القادة الإيرانيين، بعد أن نجحت مخابراتها العسكرية في الحصول على معلوماتٍ عن اجتماعهم مكانيًّا وزمانيًّا؛ ذلك أن الولايات المتحدة لا تستطيع إنجاز ذلك لأن القانون الأميركي لا يجيز اغتيال قادة دول أجنبية. أما بالنسبة إلى إسرائيل، فيكاد يكون اغتيال قيادات الخصم وسيلة روتينية؛ ما يقرّبها من الخلط بين السياسة والجريمة المنظمة.
أهداف إسرائيل من الحرب
لم تحدّد إسرائيل رسميًّا أن هدف حربها على إيران هو إسقاط النظام فيها. وعلى الرغم من ذلك، تعمل بكل وسيلة لتحقيق هذا الأمر، بالضربات العسكرية التي توجّهها إلى أهداف الحرب الرسمية المرتبطة بالمشروع النووي الإيراني والصواريخ البالستية، وخصوصًا مختلف مؤسّسات النظام الإيراني ومفاصل التأثير فيه أيضًا. ويشمل ذلك قادة النظام السياسيين والعسكريين ومقارّ وقواعد ومؤسسات وقادة لكلٍّ من الجيش والحرس الثوري والباسيج والمخابرات والشرطة، إلى جانب البنى التحتية الاقتصادية والإدارية في الدولة التي يستند إليها النظام في حكمه لإيران. وتسعى إسرائيل إلى استمرار الحرب أطول فترة ممكنة حتى تتمكّن من تحقيق هدفها هذا، كما صرّح بذلك نتنياهو.
ولا يوجد خلاف في إسرائيل بين المستويين السياسي والعسكري بشأن أهداف الحرب، فالجيش الإسرائيلي يؤيد، منذ 7 أكتوبر (2023)، استعمال القوة العسكرية في كل فرصة تلوح أمامه لإضعاف إيران. ولكن المؤسّسة العسكرية تدرك، في الوقت نفسه، أكثر من القيادة السياسية، أن إسقاط النظام الإيراني لن يكون سهلًا، وأنه سوف يتطلب، على الأرجح، حملةً جويةً طويلةً ومكثفة تمتدّ إلى منشآت حيوية وبنية تحتية ذات طابع اقتصادي حيوي يؤثر في معيشة الشعب الإيراني، مثل منشآت النفط والغاز والطاقة ومنظومة شبكة الكهرباء، وهو الأمر الذي ما زالت الإدارة الأميركية تعارضه. فمن شأن هذه الهجمات أن تخرج إنتاج إيران من النفط كليًّا من الأسواق العالمية، فترةً طويلة، حتى لو حقّقت الحملة على إيران أهدافها؛ ما يعني تأثيرًا بعيد المدى في أسعار الطاقة في السوق العالمية، وهو ما لا تريده إدارة ترامب.
ولا يقتصر التباين بين إسرائيل وإدارة ترامب على هذه المسألة فحسب؛ إذ ثمة خلافٌ بينهما أيضًا بشأن إسقاط النظام الإيراني. ففي حين تفضّل إدارة ترامب إحداث تغيير من داخل النظام وفي سياساته، مع الحفاظ على بنيته قائمة، حتى لا يحدُث فراغٌ في حكم إيران، ومن ثمّ قد يؤدّي إلى فوضى أو حرب أهلية، تريد إسرائيل إسقاط النظام الإيراني، حتى إنْ أدى هذا إلى هذا الأمر أو ذاك.
من ناحية أخرى، يناقض الرئيس الأميركي ترامب نفسه، وتتعدّد أهداف الحرب بتعدّد المقابلات الصحافية التي يجريها يوميًّا، وأحيانًا عدّة مرات في اليوم الواحد، في حين تبدو القيادة الإسرائيلية مثابرة وواضحة وصريحة في أهدافها؛ ما يضاعف تأثيرها في ترامب، وفي عملية صنع القرار الأميركي بشأن إيران.
خاتمة
استغلت إسرائيل الظروف التي نشأت بعد عملية طوفان الأقصى، وعودة الرئيس ترامب إلى الحكم في الولايات المتحدة، لتحقيق نتائج عقودٍ من التحريض والتحضير لضرب إيران والقضاء على برامجها النووية والصاروخية، ومَنْع ظهور أيّ منافس إقليمي لها في المنطقة، على نحو يضمن استمرار احتكار إسرائيل السلاح النووي في الشرق الأوسط، والهيمنة الإسرائيلية على المنطقة، علمًا أن إسرائيل دمّرت البرنامج النووي العراقي عندما ضربت "مفاعل تموز" (1981)، والبرنامج النووي السوري في الكبر (2007). وبوجود واحدة من أكثر الإدارات الأميركية دعمًا لها، تطمح إسرائيل إلى أن تذهب أبعد من ذلك، أي إسقاط النظام الإيراني، وحتى إدخال إيران في حالة من الفوضى، أو الحرب الأهلية، تؤدّي إلى تفكّكها في نهاية المطاف إلى كانتونات أو دويلات إثنية، عبر تحريض مختلف الأقليات التي تمثّل في مجموعها نحو نصف السكان في إيران، ودعم الفئات الانفصالية الأكثر تشدّدًا داخلها. وفي وقتٍ يحاول النظام الإيراني فيه مقاومة العدوان والصمود في وجه المخطّطات الإسرائيلية التي تستهدف إسقاطه وتفكيك البلاد، تميل موازين القوى بشدة في غير صالحه، خصوصًا في سياق غياب دولة عظمى تقف إلى جانب إيران وتوفر لها مقوّمات الصمود.

