لم تشهد مصر منذ انتخابات 2010—التي كانت أحد الشرارات المباشرة لثورة 25 يناير—قدراً من الانتهاكات يماثل ما جرى خلال انتخابات مجلس النواب الأخيرة، التي أُعلنت نتائج مرحلتها الأولى الأربعاء الماضي في ظل موجة واسعة من الانتقادات من المعارضة والمنظمات الحقوقية.
فخلال الاقتراع الذي جرى على مرحلتين، برزت اتهامات بالتزوير وشراء الأصوات وإجراءات غير منضبطة داخل اللجان، دفعت كثيرين للمطالبة بإلغاء العملية الانتخابية وتأجيلها لحين تعديل قانون الانتخابات.
مرحلة التصويت الأولى (10 و11 نوفمبر) كانت كفيلة بإرغام قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي للتدخل بشكل مباشر ومطالبة الهيئة الوطنية للانتخابات بـ«اتخاذ الإجراء الصحيح» حتى لو وصل الأمر لإلغاء المرحلة كاملة. وفعلاً أبطلَت الهيئة نتائج 19 دائرة انتخابية في 7 محافظات، في خطوة اعتُبرت سابقة لم تشهدها الانتخابات النيابية من قبل.
لكن آمال المعارضين بأن تكون المرحلة الثانية أكثر انضباطًا تبددت سريعًا؛ إذ شهدت—بحسب مراقبين ومرشحين—انتهاكات ربما فاقت المرحلة الأولى، مُنهيةً فرص المستقلين والمرشحين المعارضين في حصد أكثر من عدد محدود من المقاعد، بينما ذهب البعض الآخر إلى جولة الإعادة.
شراء أصوات واحتجاجات وطعون
امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بفيديوهات تُظهر مواطنين يتحدثون عن شراء أصوات وصل في بعض الدوائر إلى 500 جنيه للصوت الواحد، إلى جانب مقاطع توزيع مواد غذائية أمام اللجان، وأخرى لوسطاء الانتخابات وهم يجمعون بطاقات الهوية لإجراء تصويت جماعي.
كما شهدت دوائر أخرى احتجاجات تتحدث عن «شبهات تزوير» عقب إعلان النتائج.
وكان أبرز المشاهد إعلان اللواء محمد كمال الدالي—المرشح عن الجيزة—انسحابه من جولة الإعادة واستقالته من حزب الجبهة الوطنية، قائلاً إنه «فضّل القيم على الطموح»، في خطوة أثارت كثيراً من التساؤلات.
تصدّع جبهة الموالاة وصراع الأجهزة
تكشف مصادر مطلعة أن انسحاب الدالي ليس حدثاً فردياً، بل يعكس خلافات عميقة بين حزب مستقبل وطن—المقرّب من جهاز الأمن الوطني—وبين حزب الجبهة الوطنية المحسوب على جهات سيادية أخرى.
وتشير المصادر إلى تفكك نسبي داخل بنية التحالف الحاكم نتيجة:
- خلافات داخلية واتهامات ببيع المقاعد دفعت قيادات مستبعدة للترشح مستقلين.
- محاولات مستقبل وطن السيطرة على النتائج على حساب حلفائه، رغم وجود اتفاقات سابقة بشأن توزيع المقاعد الفردية.
هذا الصراع الداخلي بين مؤسسات الدولة والموالين لها كشف هشاشة الترتيب السياسي الذي كان يفترض أن يضمن انتخابات «هادئة» ومُحكمة.
بيانات الهيئات القضائية: خلاف علني نادر
شهدت الانتخابات سجالاً استثنائيًا بين الهيئات القضائية؛ فنادي قضاة مصر أكد أن القضاة لم يشرفوا على الانتخابات التزامًا بالدستور، بينما أصدر النادي البحري للنيابة الإدارية بيانًا مهاجمًا اعتبر فيه بيان نادي القضاة «نرجسيًا»، واتهم الهيئة الوطنية للانتخابات بـ«سوء التنظيم» وعدم توفير وسائل نقل وسكن ملائم للمشرفين، فضلًا عن تجاوز ساعات العمل القانونية بشكل «غير إنساني».
كما اتهم البيان الهيئة بعدم تسليم وكلاء المرشحين صور نتائج الفرز، واعتبر أن السلبيات التي ظهرت جاءت نتيجة «تعليمات مباشرة» و«سوء إدارة».
انتقادات حقوقية: الانتخابات بلا استقلال ولا شفافية
عشر منظمات حقوقية مصرية مستقلة وصفت العملية الانتخابية بأنها «زائفة»، معتبرةً أن تدخل الرئيس السيسي يعكس غياب استقلال الهيئة الوطنية للانتخابات، وأن التصريحات الرئاسية لن تغيّر من طبيعة العملية التي تخضع—من وجهة نظرها—لمعادلات أمنية وسياسية مغلقة.
ووفق تقدير هذه المنظمات، فإن:
- الهندسة المسبقة للقوائم كانت لصالح الموالين للنظام مقابل مبالغ مالية ضخمة.
- مرشحاً كشف طُلب منه دفع 20 مليون جنيه لضمان مقعده، فتم اعتقاله عقب بثه فيديو يشتكي فيه من ذلك.
- استبعاد معارضين ونواب سابقين تم بقرارات إدارية بحجة الخدمة العسكرية أو أحكام سياسية سابقة.
كما أشارت إلى أن الهيئة ظلت لأسبوع تؤكد أن «المشاركة مرتفعة وأن الانتهاكات محدودة» قبل أن تظهر توجيهات السيسي بإمكانية إلغاء النتائج.
بيان الحركة المدنية: لحظة فارقة ومطالبة بإلغاء الانتخابات
أصدرت الحركة المدنية الديمقراطية بيانًا شديد اللهجة، وصفت فيه المشهد الانتخابي بأنه «لا يليق بدولة تسعى للاستقرار»، واتهمت السلطة بإدارة العملية السياسية بعقلية «الإقصاء والتحكم».
واعتبرت الحركة أن:
- هندسة القوائم وتوزيع الدوائر صُمما لمنع المعارضة من دخول البرلمان.
- المناخ السياسي القمعي هو السبب في فقدان المواطنين الثقة.
- استمرار الانتخابات بهذه الطريقة يعمّق الغضب الشعبي ويقضي على أي أمل في إصلاح سياسي.
وطالبت بإلغاء العملية الانتخابية، وتعديل القوانين، واعتماد القائمة النسبية بدلاً من القائمة المغلقة التي كرّست احتكار الموالاة للمقاعد.
“مرشحو الغلابة”.. صعود لم يكن متوقعًا
في مقابل المال السياسي والإنفاق الطاغي لأحزاب الموالاة، برزت مجموعة من المرشحين البسطاء الذين أصبحوا «ظاهرة» في المشهد الانتخابي.
محمد زهران (المطرية – القاهرة)
- لم يرفع لافتة واحدة.
- كان يجوب الشوارع سيرًا على الأقدام.
- لاقى تعاطفًا واسعًا بعد ظهوره في فيديوهات يشرح فيها أن حذاءه «تهرّأ من كثرة السير».
- اعتُقل سابقًا بسبب نشاطه النقابي دفاعًا عن المعلمين.
عماد الغلبان (ميت غمر – الدقهلية)
- باحث قانوني بوزارة العدل.
- ترشح منفردًا دون دعم حزبي.
- تجاوز أسماء ثقيلة مثل مرتضى منصور.
- وصل إلى جولة الإعادة بجهد شخصي كامل.
عماد عبد الغني العدل (المنصورة)
- مدرّس ثانوي.
- اشتهر بعبارته «حسّكم معايا» التي تحولت لترند شعبي.
- أصبحت حملته واحدة من أبرز الحملات الشعبية في البلاد دون دعم أو تمويل كبير.
مونيكا مجدي (شبرا وروض الفرج) – “مرشحة الدراجة”
- استخدمت دراجتها وميكروفونًا صغيرًا بدل اللوحات والتمويل.
- تعرضت لمضايقات واحتُجزت أسرتها مؤقتًا.
- رغم خسارتها، أصبحت رمزًا لمقاومة المال السياسي.
القوانين الجديدة.. تكريس للنظام القديم
أقرت تعديلات قانون الانتخابات في مايو الماضي إعادة توزيع المقاعد مع الإبقاء على نظام 50% فردي و50% قوائم مغلقة.
ورغم مشاركة المعارضة في جلسات الحوار الوطني واقتراحهم التحول إلى القائمة النسبية لضمان تمثيل أكثر عدلًا، لم تُؤخذ مطالبهم في الاعتبار.
ويرى المعارضون أن هذه الهندسة القانونية هي التي أفرزت المشهد الحالي، ورسخت سيطرة المال السياسي، وقلّصت فرص المستقلين والمعارضين.
خلاصة المشهد: انتخابات تهز شرعية البرلمان ومطالب بتصحيح المسار
تعكس تفاصيل الانتخابات البرلمانية 2025 صورة معقدة:
- انتهاكات واسعة
- صراع داخل جبهة الموالاة
- بيانات قضائية متضاربة
- انتقادات حقوقية قوية
- مشهد سياسي مغلق
ومع تصاعد المطالب بإلغاء الانتخابات وإعادة تشكيل المناخ السياسي والقانوني، يصبح مستقبل العملية الديمقراطية في مصر مرتبطًا بقدرة النظام على إجراء إصلاحات حقيقية—not تجميلية—تضع حدًا لهندسة النتائج مسبقًا وتعيد الثقة للمواطنين.

