في ظل الصمت الدولي المطبق والانشغال العالمي بملفات أخرى، يواصل الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ واحدة من أشرس حملات القمع والتنكيل في الضفة الغربية المحتلة، مستهدفًا البشر والحجر في محاولة يائسة لفرض معادلات جديدة على الأرض.

 

وخلال اليوم وأمس، تحولت مدن الضفة ومخيماتها إلى ساحات حرب حقيقية، حيث لم يكتفِ جيش الاحتلال بالاقتحامات الروتينية، بل صعد من وتيرة "العقاب الجماعي" عبر حملات اعتقال عشوائية طالت المئات، وإعدامات ميدانية بدم بارد، وتدمير ممنهج للبنية التحتية، في مشهد يعيد للأذهان ذكريات الاجتياحات الكبرى.

 

 

طوباس تحت الحصار: تحويل المنازل إلى ثكنات تحقيق

 

شكلت محافظة طوباس ومخيم الفارعة وبلدة طمون مركز الثقل في هذا العدوان المستمر لليوم الرابع على التوالي. وبحسب التقارير الميدانية والحقوقية، حول جيش الاحتلال المحافظة إلى سجن كبير، حيث نفذ حملات اعتقال جماعية غير مسبوقة طالت ما يقرب من 200 شاب فلسطيني في غضون ساعات. لم تكن هذه الاعتقالات تهدف إلى ملاحقة مطلوبين محددين بقدر ما كانت تهدف إلى ترهيب المجتمع المحلي؛ إذ اتبع الجنود سياسة "التحقيق الميداني"، محولين منازل المواطنين الآمنين إلى مراكز استجواب وثكنات عسكرية مؤقتة.

 

في ليلة واحدة، اعتقل الاحتلال أكثر من 100 مواطن من بلدة طمون وحدها، متبعًا أسلوبًا ساديًا في التعامل مع المعتقلين. وتشير الشهادات إلى أن الجنود تعمدوا ترك العشرات مكبلي الأيدي وفي العراء لساعات طويلة قبل الإفراج عن بعضهم في ساعات متأخرة من الليل، بينما لا يزال مصير العشرات مجهولاً في مراكز التوقيف، ما يعكس رغبة واضحة في إذلال السكان وبث الرعب في نفوس عائلاتهم.

 

 

تنكيل وحشي واستهداف للطواقم الصحفية

 

لم تقتصر الممارسات الإسرائيلية على الاعتقال، بل رافقها اعتداءات جسدية وحشية وثقتها طواقم الهلال الأحمر الفلسطيني، التي تعاملت مع ما لا يقل عن 25 إصابة برضوض وجروح خطيرة نتيجة الضرب المبرح بأعقاب البنادق والأحذية العسكرية. هذه الاعتداءات لم تستثنِ كبار السن ولا المرضى، بل طالت حتى الصحفيين الذين يحاولون توثيق هذه الجرائم، حيث اعتقل جيش الاحتلال طاقم قناة "القاهرة الإخبارية" في طوباس، وهددهم بمصادرة معداتهم في محاولة لطمس الحقيقة ومنع نقل صورة ما يجري للعالم.

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by AJ+ عربي (@ajplusarabi)

 

بالتوازي مع ذلك، مارست جرافات الاحتلال سياسة الأرض المحروقة، حيث قامت بتجريف الشوارع الرئيسية وتدمير شبكات المياه والكهرباء في مخيم الفارعة ومدينة طوباس، وعزلت المناطق عن بعضها بالسواتر الترابية، ما أدى إلى شلل كامل في الحياة اليومية وتفاقم المعاناة الإنسانية للسكان المحاصرين.

 

جنين: إعدام بدم بارد يوثقه العالم

 

وبينما كانت طوباس تئن تحت وطأة الاعتقالات، كانت جنين تشهد فصلاً دموياً آخر يضاف إلى سجل جرائم الاحتلال. فقد وثقت عدسات الكاميرات جريمة إعدام ميداني مروعة في الحي الشرقي للمدينة، حيث أقدم جنود الاحتلال على تصفية شابين فلسطينيين بعد أن سلما نفسيهما وخرجا رافعي الأيدي وكاشفين عن بطونهم لإثبات عدم حملهم لأي سلاح أو متفجرات. ورغم استسلامهم الواضح، أطلق الجنود النار عليهم من مسافة قريبة وتركوهم ينزفون حتى الموت، ومنعوا طواقم الإسعاف من الوصول إليهم، في انتهاك صارخ لكل الأعراف والقوانين الدولية والإنسانية.

 

امتداد النار: الخليل وقلقيلية في دائرة الاستهداف

 

لم تكن باقي محافظات الضفة بمنأى عن هذا التصعيد. ففي الجنوب، شهدت الخليل اقتحامات واسعة، تحديدًا في بلدة بيت أمر ومدينة دورا، حيث عاثت قوات الاحتلال فسادًا في المنازل، وأطلقت قنابل الغاز بشكل عشوائي داخل الأحياء السكنية، وقامت بتحطيم صروح الشهداء، في رسالة انتقامية واضحة. كما طالت المداهمات الليلية مدن قلقيلية ونابلس وبيت لحم، حيث اعتُقل عشرات الشبان، بينهم أطفال ونساء، من أسرتهم في منتصف الليل.

 

 

ختامًا، إن ما تشهده الضفة الغربية اليوم ليس مجرد إجراءات أمنية كما يزعم الاحتلال، بل هو حرب استنزاف شاملة تستهدف الوجود الفلسطيني. إن سياسة الاعتقال العشوائي، والإعدام الميداني، وتدمير مقومات الحياة، هي أدوات في مشروع أكبر يهدف إلى كسر إرادة المقاومة لدى الجيل الشاب، وفرض حالة من اليأس والاستسلام. لكن التجارب التاريخية تثبت أن مثل هذه الممارسات لا تزيد الشعب الفلسطيني إلا إصرارًا على التمسك بحقوقه، وأن "كي الوعي" الذي يراهن عليه الاحتلال لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانفجار في وجهه