بينما تستعد مساجد مصر لخطبة جديدة عن “القناعة لا الإفراط” في شهر رمضان، يعيش ملايين المصريين واقعًا مغايرًا تمامًا؛ واقعًا لا يعرف الإسراف أصلًا، بعد أن تحولت موائدهم إلى قوائم مختصرة من الضروريات أو ما دونها، في ظل غلاء غير مسبوق وفقر متصاعد، وبذخ واضح في إنفاق السلطة على القصور والطائرات والمشروعات الاستعراضية.
إعلان وزارة الأوقاف المصرية عن أن خطبة الجمعة القادمة ستتناول “عادات خاطئة مثل الإسراف في المأكولات والمشروبات، وشراء كميات كبيرة من الطعام والحلويات”، بدا بالنسبة لكثيرين خطابًا خارج الزمن.
الوزارة تخاطب شعبًا يعاني من الغلاء ونقص الدخل، وكأن المشكلة الرئيسية هي “الإفراط في الاستهلاك”، لا السياسات التي دفعت قطاعات واسعة إلى حافة العوز.
في الخلفية، يرسخ هذا الخطاب لنمط واضح في دولة قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي: تحميل المواطن المسؤولية الأخلاقية، وتجاهل مسؤولية السلطة عن الفقر والغياب الفعلي لشروط العدالة الاقتصادية.
خطبة عن القناعة في بلد يطحنه الغلاء
نص الخطبة المنشور رسميًا يتحدث عن أن الصيام “شُرع لكبح الشهوات لا لإثارتها”، وأن رمضان ليس “شهر موائد عامرة”، بل “قلوب عامرة بالإيمان”، ويحذر من “شراء كميات كبيرة من الطعام والحلويات والإفراط في المشروبات والعصائر”، باعتبارها مظاهر “كثرة استهلاك ومفاهيم مغلوطة”.
من حيث المبدأ، الدعوة إلى ترك الإسراف قيمة دينية وأخلاقية متفق عليها. لكن المشكلة هنا ليست في نص الوعظ، بل في سياقه: الخطاب يُوجَّه من مؤسسة دينية رسمية مرتبطة بالسلطة، إلى مجتمع لم يعد يملك أصلاً رفاهية الإسراف.
خلال السنوات الأخيرة، سجّلت مصر واحدًا من أعلى معدلات التضخم في تاريخها الحديث، مع وصول التضخم السنوي إلى نحو 38% في سبتمبر 2023، وبلوغ تضخم الغذاء مستويات قياسية وصلت إلى حوالي 73.6% في الشهر نفسه، قبل أن يتراجع تدريجيًا لكنه يظل مرهقًا لميزانيات الأسر.
تقارير اقتصادية مستقلة تشير إلى أن الفقر اتجه للزيادة لا للتراجع، مع تقديرات بوصول معدل الفقر إلى حوالي 35.7% في عام 2023، وسط غياب بيانات رسمية محدثة من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
في هذا الواقع، تبدو خطبة “القناعة” أقرب إلى مطالبة الفقراء بمزيد من التقشف، بينما لا تتطرق من قريب أو بعيد إلى السياسات التي فاقمت الفقر، أو إلى البذخ في قمة هرم السلطة.
قصور وطائرات رئاسية.. وبنزين التقشف على حساب الفقراء
في الجهة المقابلة لهذا الخطاب الوعظي، تتراكم مؤشرات على إنفاق فاخر في قمة الدولة. منذ عام 2019 تفجّرت جدل واسع حول مشروعات القصور الرئاسية والفنادق الفاخرة التي تشرف عليها الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، بعد شهادات المقاول محمد علي عن “مليارات الجنيهات” التي أُنفقت على قصور ومقرات رئاسية جديدة، بينها قصر ضخم في العاصمة الإدارية الجديدة.
لم تَنفِ السلطة بناء هذه القصور؛ بل خرج عبد الفتاح السيسي ليقول صراحة: “آه ببني قصور رئاسية وهبني تاني، ما فيش مشكلة، أنا عاملها لمصر”. رسالة واضحة بأن البذخ العمراني في مستوى القمة خيار سياسي واعٍ، وليس مجرد خطأ إداري.
على مستوى آخر، أثار الإعلان عن شراء طائرة رئاسية ضخمة من طراز Boeing 747-8، بتكلفة تُقدَّر بحوالي $500 مليون، جدلًا واسعًا داخل مصر وخارجها، خاصة أن الصفقة جاءت في ذروة أزمة نقص العملة الأجنبية والغلاء.
قبل ذلك بعدة أعوام، في 2016، كشفت تقارير عن تعاقد الحكومة على 4 طائرات خاصة فاخرة من طراز Falcon 7X بقيمة تقديرية بلغت $340 مليون تقريبًا، بالتزامن مع حديث رسمي عن “شدة التقشف” وضرورة تحمّل المواطنين للإجراءات الصعبة.
هذه الأرقام لا تتعلق بـ “إسراف أسر في العصائر والحلويات”، بل ببذخ رسمي في قصور وطائرات ومقار فخمة، يجري تبريره تحت عناوين “هيبة الدولة” و”مستقبل الجمهورية الجديدة”، بينما يُطلب من المواطنين القناعة وقبول الغلاء باعتباره قدرًا لا فكاك منه.
في ظل تضخم استهلك الأجور، وفقر يطاول نحو ثلث السكان أو يزيد، تبدو المفارقة صارخة: منابر رسمية تحضّ الناس على “شد الأحزمة”، وسلطة سياسية تواصل الإنفاق على مشروعات استعراضية وبنية حكم فاخرة، لا على بنية حياة كريمة للمواطن.
خطاب يلوم الضحية ويتجاهل المسؤول
بدل أن توجّه وزارة الأوقاف خطابها الأخلاقي إلى السلطة المتحكمة في موارد الدولة، وإلى من يقرّر أوجه الإنفاق الكبرى، تختار الطريق الأسهل: نصح المظلوم لا نصح من ظلموه، وتذكير الفقراء بفضيلة القناعة، لا تذكير من بيدهم القرار بواجب العدالة وضبط الأولويات.
في الخطبة المنشورة، لا إشارة واحدة إلى مسؤولية السياسات الاقتصادية عن تضخم أسعار الغذاء، أو تراجع real value للأجور، أو تمدد الفقر. كل اللوم متركّز على “ثقافة الاستهلاك”، دون الإقرار بأن جزءًا كبيرًا من المصريين لم يعد عنده ما يستهلكه أصلًا إلا الضروري.
بهذا الشكل، يتحول الخطاب الديني الرسمي إلى غطاء ناعم لسياسات تقشف قاسية تطبق من أسفل لا من أعلى؛ يُطلب من المواطن أن يقتصد في طبق الفول، بينما لا يقترب أحد من ميزانيات القصور الجديدة، أو صفقات الطائرات، أو الإنفاق على مشروعات لا يرى الناس عائدها في تعليم أو صحة أو دعم حقيقي للغذاء.
في المجتمعات الديمقراطية، يكون دور المؤسسات الدينية والأخلاقية – الرسمية أو المستقلة – أن تذكّر الحاكم والمحكوم معًا بالقيم نفسها: العدل قبل القناعة، وكفّ يد الظلم قبل مطالبة المظلوم بالصبر.
أما حين يصبح وعظ “القناعة” موجّهًا حصريًا إلى الطبقات المرهقة، ويتجاهل من يملكون سلطة القرار والمال، فإنه يتحول عمليًا إلى جزء من آلة إنتاج الظلم لا إلى أداة لتخفيفه.
في مصر اليوم، لا يحتاج أغلب الناس إلى من يذكّرهم بخطورة الإسراف؛ فالإسراف نفسه صار ترفًا نادرًا.
ما يحتاجونه هو دولة تعيد ترتيب أولويات الإنفاق، وسلطة تتوقف عن بناء المزيد من القصور والطائرات بينما تطلب من الفقراء “الرضا”، ومؤسسات دينية ترى الحقيقة كاملة: أن القناعة فضيلة، نعم، لكنها لا تُستخدم أبدًا ستارًا لإعفاء من أفقروا الناس من مسؤوليتهم عن هذا الفقر.

