هونغ كونج – استيقظت مدينة هونغ كونج على وقع واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية فتكاً في تاريخها الحديث، حيث تحولت أبراج مجمع "وانغ فوك كورت" السكني في منطقة "تاي بو" الشمالية إلى كتلة من اللهب والدخان الأسود، في مشهد مروع أعاد للأذهان ذكريات أليمة من القرن الماضي.
الحريق الهائل، الذي استمر لأكثر من 24 ساعة متواصلة، لم يلتهم الجدران والمباني فحسب، بل حصد أرواح نحو 94 شخصاً، مخلفاً وراءه مئات المفقودين وعشرات المصابين، وكشف الغطاء عن أزمة إسكان خانقة وفضائح فساد وإهمال محتملة في قطاع البناء.
ليلة من الجحيم في "وانغ فوك كورت"
اندلعت الشرارة الأولى للحريق في المجمع السكني الشاهق الذي يعد واحداً من الحلول السكنية المكتظة في المدينة التي تعاني ندرة المساحات. يضم مجمع "وانغ فوك كورت" 8 أبراج سكنية شاهقة، تحتوي على ما يقارب 2000 شقة، وتأوي أكثر من 4600 نسمة. سرعان ما تحول المجمع المكتظ إلى مصيدة موت، حيث ساعدت الرياح وطبيعة المواد المستخدمة في البناء على انتشار النيران بسرعة جنونية بين الطوابق والشقق.
وعلى مدار يوم كامل، خاضت فرق الطوارئ معركة غير متكافئة مع ألسنة اللهب. فقد دفعت السلطات بأكثر من 1200 رجل إطفاء، مدعومين بأسطول ضخم قوامه 304 سيارات إطفاء ومركبات إنقاذ متخصصة، في محاولة يائسة للسيطرة على الكارثة. ورغم الجهود الجبارة التي بذلتها الفرق، والتي أسفرت عن إصابة 11 رجل إطفاء بإصابات متفاوتة أثناء تأدية واجبهم، إلا أن النيران كانت أسرع من محاولات الإنقاذ في الساعات الأولى.
وحتى لحظة كتابة هذا التقرير، أعلنت فرق الإطفاء تمكنها من السيطرة على النيران في 4 أبراج من أصل الأبراج التي طالتها النيران بشكل مباشر، بينما لا تزال عمليات الإخماد والتبريد مستمرة في الأبراج الثلاثة المتبقية، وسط مخاوف من انهيارات جزئية قد تعيق عمليات البحث عن الناجين.
حصيلة مرعبة ومئات المفقودين
تشير الأرقام الرسمية الأولية إلى مقتل 94 شخصاً، في حصيلة مرشحة للارتفاع بشكل كبير، نظراً لوجود حوالي 300 شخص لا يزالون في عداد المفقودين. وتعيش مئات العائلات لحظات من الرعب والترقب خارج طوق الشرطة وفي المستشفيات، بانتظار أي أنباء عن ذويهم الذين انقطعت بهم السبل داخل الأبراج المحترقة.
وعلى الصعيد الطبي، استقبلت مستشفيات المدينة أكثر من 70 مصاباً، وتوصف حالة العشرات منهم بالحرجة للغاية، مما يضع الطواقم الطبية تحت ضغط هائل. وتنوعت الإصابات بين حروق من الدرجات المتقدمة، واختناقات حادة نتيجة استنشاق الدخان السام الكثيف الذي غطى سماء المنطقة الشمالية للمدينة.
ويُصنف هذا الحريق رسمياً باعتباره الأكبر والأكثر دموية في هونغ كونج منذ عام 1948، حين اندلع حريق ضخم في مستودع للبضائع أودى بحياة 176 شخصاً، مما يجعل كارثة "وانغ فوك" علامة سوداء جديدة في تاريخ السلامة العامة بالمدينة.
"الإهمال الجسيم": أصابع الاتهام تشير للفساد
بينما لا تزال النيران تشتعل في بعض أجزاء المجمع، بدأت معركة أخرى لا تقل ضراوة، وهي معركة البحث عن الجناة والمحاسبة. في تصريحات أولية صادمة، أوضحت السلطات الأمنية وفرق التحقيق أن الكارثة قد لا تكون مجرد قضاء وقدر، بل نتيجة "إهمال جسيم".
التحقيقات الأولية تشير بأصابع الاتهام إلى شركة البناء المنفذة للمشروع، حيث تتردد أنباء قوية عن استخدام "مواد غير آمنة" في عمليات الإنشاء أو التكسية الخارجية (Cladding)، وهي مواد رخيصة الثمن وسريعة الاشتعال، طالما حذر خبراء السلامة من استخدامها في المباني الشاهقة. هذا الاتهام يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات حول دور الجهات الرقابية وكيفية تمرير هذه المخالفات القاتلة.
وفي تحرك سريع، داهمت وحدات من الشرطة مقر شركة صيانة المباني المسؤولة عن المجمع، وصادرت كميات ضخمة من الوثائق والسجلات وأجهزة الكمبيوتر. ويهدف هذا التحرك إلى تتبع خيوط الفساد الإداري أو التواطؤ الذي سمح بتحويل مجمع سكني يضم الآلاف إلى قنبلة موقوتة.
أزمة السكن: الوجه الآخر للمأساة
لا يمكن فصل حريق "وانغ فوك كورت" عن السياق الاجتماعي والاقتصادي لمدينة هونغ كونج. فالمدينة تعاني من أزمة مزمنة ونقص حاد في السكن الميسور التكلفة، مما يضطر الآلاف من ذوي الدخل المحدود والمتوسط إلى التكدس في مجمعات سكنية شاهقة الكثافة.
هذا الاكتظاظ السكاني، المترافق مع ضغوط لتوفير وحدات سكنية بأسرع وقت وأقل تكلفة، غالباً ما يأتي على حساب معايير السلامة والجودة. ويرى مراقبون أن هذه الكارثة هي جرس إنذار عنيف للحكومة، ينبه إلى أن سياسات الإسكان التي تركز على الكم وتهمل الكيف والسلامة قد تكون كلفتها باهظة جداً، وتدفع ثمنها الطبقات الأكثر ضعفاً من أرواحها وأمنها.
إن كارثة "وانغ فوك" ليست مجرد حريق سيتم إخماده، بل هي ملف مفتوح يطالب فيه الشارع بالقصاص من المهملين، وإعادة النظر جذرياً في منظومة السلامة في الأبراج السكنية التي تعج بها المدينة، لضمان ألا تتكرر مأساة عام 1948 مرة أخرى في القرن الحادي والعشرين.

