الحياة الزوجية ليست لوحة مثالية خالية من العثرات، بل هي رحلة طويلة تتقاطع فيها المشاعر والاختلافات والظروف، فتارة تشرق فيها شمس المودة، وتارة تعصف بها رياح الخلاف، ومهما بدت العلاقة ناجحة في أعين الناس، فإنها لا تخلو من منغصاتٍ ومواقف تحتاج إلى صبرٍ وحكمة، لأن البيت الذي لا تُسمع فيه بين الحين والآخر أصوات اختلاف، هو غالبًا بيت صامت المشاعر

 

وقد أرشدنا الله تعالى إلى أساسٍ متينٍ لحياةٍ هادئة حين قال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:19]، فكم من موقفٍ ظنه الزوجان شراً، فإذا به باب خيرٍ ووعيٍ وتجديدٍ للمحبة، وقال رسول الله ﷺ: “لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر.” رواه مسلم، فما من إنسانٍ إلا وفيه جانبٌ يُكره وآخر يُحب، والموفق من وسّع عينه على الجمال، وضاق نظره عن الزلات.

 

إن الخلافات في العلاقات الزوجية ليست بالضرورة علامة فشل، بل قد تكون صوت التنبيه الذي يدعو الزوجين إلى إعادة ترتيب الأولويات وإحياء لغة الحوار، وغالباً ما تنشأ هذه الخلافات من ضعف التواصل أو غياب الإصغاء، فتتخذ أشكالاً شتى؛ منها ما يكون داخليًا كاختلاف أساليب تربية الأبناء أو توزيع المهام المنزلية، ومنها ما يكون خارجيًا كضغوط العمل، أو الأزمات المالية، أو تدخلات الأهل والأقارب.

 

وللخلاف أسبابٌ كثيرة، منها:

  • الضائقة المالية التي تُثقل كاهل الزوجين وتزرع التوتر في تفاصيل الحياة اليومية.
  • كثرة الأعباء والضغوط الاجتماعية التي تُبعد أحد الطرفين عن الآخر، حتى يغدو اللقاء بينهما جسداً بلا روح.
  • اختلاف الطباع والتفكير، فلكلٍّ من الزوجين منظومته الخاصة في القيم والمشاعر والسلوك.
  • انعدام الثقة نتيجة أخطاءٍ لم يُحسن أحدهما الاعتذار عنها.        
  • ضعف مهارات الحوار، حين يتحول النقاش إلى صدام أو صمتٍ جاف.
  • تباين أساليب التربية بين اللين والشدة، أو بين الدين والعرف.
  • تأخر الإنجاب والمشكلات الصحية التي تختبر صبر الطرفين.     
  • الخيانات العاطفية والانشغال بالمحرّم، وهي من أشد ما يهدم جدار الأمان في العلاقة.
  • التعدد دون عدل، حين يغيب الإنصاف في المبيت والنفقة والعاطفة.
  • الإدمان على الأجهزة الإلكترونية، حيث تغيب الأحاديث الدافئة لتحل محلها شاشات باردة.
  • التعلق بالمشاهير والمقارنة بالحياة الوهمية التي تُفسد الرضا وتقود إلى النفور.
  • البعد عن الله واقتراف المعاصي، فهي سبب كل اضطرابٍ وهلاكٍ للأسرة، إذ تُطفئ نور القلب وتورث الجفاء.

 

ولذا فإن علاج الخلافات يبدأ من العودة إلى الله أولاً، ثم إلى لغة الرفق والحوار، فكل كلمة طيبة تُرمم صدعاً، وكل نظرة مودة تُطفئ ناراً، ولْيتذكّر الزوجان أن الزواج ميثاق غليظ، لا يقوم على العاطفة وحدها، بل على الصبر والإحسان والتنازل من أجل بقاء المودة، فما أجمل أن يكون الخلاف طريقاً للفهم، لا للفرقة، وأن يكون الصمت استراحة للعقل، لا هروباً من المواجهة، ففي كل بيتٍ مساحة للاختلاف، لكن القلوب المؤمنة هي التي تحيله إلى جسرٍ للرحمة، لا إلى هاوية للفراق.