د/ محمود داود*
فجعنا بهذه التصرفات الدنيئة والرجعية التى مورست مع فضيلة د. صلاح سلطان، من حرق بيته فى الولايات المتحدة الأمريكية وبداخله ولده العزيز محمد، وإحالته هو إلى النيابة العامة للتحقيق معه فى مصر، بتهمة معاداة الصهيونية، ويبدو أننا بعد أن تقدمنا فى مصر خطوات كبيرة نحو الأمام، نتراجع معها بعض الخطوات إلى الخلف، ومن الخطوات الأمامية التى تحققت فى مصر : إزاحة الطغاة والظالمين، وهد عروش الجبابرة والمتغطرسين، وتقدم الإسلاميين والمصلحين، ولكن من الخطوات الرجعية فى نفس الوقت : محاولة النيل من الدعاة والمصلحين، وتوجيه الأذى للعلماء الربانيين، أمثال د. صلاح سلطان.
والعجيب فى الأمر أن يتهم فضيلة د. صلاح سلطان ، بأعظم ما نتقرب به إلى الله عز وجل فى زماننا، وهو معاداة اليهود والصهاينة، الذين احتلوا أراضينا ودنسوا مقدساتنا وسفكوا دماءنا ونهبوا أوطاننا، "هم العدو قاتلهم الله أنى يؤفكون "، إننا لا نستطيع أن نفهم كيف لا نعادى من أمرنا بقتاله، وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالقتال دون دمائنا وأموالنا وبلادنا وأوطاننا وديننا فى حديثه النبوى الشريف " من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد ". وإذا استطعنا أن نتجاوز ذلك ـ ولن نستطيع ـ فهل يمكن أن نتجاوز تلكم الحقيقة القرآنية المؤكدة التى ينثرها القرآن على أسماع الدنيا فى المشارق والمغارب فى قوله تعالى : " لتجدن أشد الناس عداوة للذين أمنو اليهود ... " المائدة من الآية رقم 82 ، فمنطوق الآية يؤكد أنهم أعداؤنا لا محالة، ونحن أيضا لا محالة أعداؤهم . مهما " ضحكوا " على بعض المسلمين بالتفاوض معهم والجلوس على موائدهم، إننا نعلنها مدوية فى كل جنبات الدنيا، أن عداء هؤلاء الذين دنسوا مقدساتنا وسفكوا دماءنا جزء من عقيدتنا وإيماننا، نتعبد لله عز وجل به ونموت ونحيا عليه حتى تعود لنا هذه المقدسات التى دنست والأرض التى اغتصبت.
قد يظن الصهاينة ومن يدور فى فلكهم، أن قضية القدس عند المسلمين ماتت أو يجب أن تموت فى ظل المفاوضات العبثية التى جرت وتجرى بين الطرف الإسرائيلى والمفاوض الفلسطينى، وأن محاولة إحيائها تعد جريمة، وهذا ما فعله د. صلاح سلطان ومعه شرفاء العالم وأحراره، باعتبار أنه المسئول عن ملف القدس وفلسطين فى الاتحاد العالمى لعلماء المسلين، لكننا فى هذه المناسبة نود أن نؤكد أن الأمة الإسلامية ما زالت حية، وأنها ليست مستعدة لأية مساومة على حقوقها فى أرض فلسطين، أوعلى وظيفتها فى حماية مقدساتها وتراثها التى أصبحت هى الأمينة عليه، خاصة وأن الملايين فى الثورات العربية والإسلامية المعاصرة وخاصة فى مصر قد هتفوا من أجل المسجد الأقصى وفلسطين ، واتضح من خلال ذلك أن قضية القدس وفلسطين هى القضية المحورية للعالم الإسلامى كله ، وهى الوحيدة التى تستطيع أن تجمع المسلمين وتوحدهم وتتجاوز بهم الخلافات والنزاعات .
وفى ضوء هذا فإننا لا نعلن العداء للمحتلين فقط، بل نعدهم بأننا سنشق لهم بأسلحتنا على الأرض التى احتلوها والمقدسات التى دنسوها سوء مراقدهم، ولو كلفنا ذلك بذل الكثير من دمائنا وأرواحنا.
خذ من دمى واكتب بأن سلاحنا = سيشق للأعداء سوء المرقد
الرمى نعلمه ونحن أجنة = ونقوم بالتدريب قبل المولد
أغنتنا ساحات البطون فعندنا = فاقت فساح البطن ساح المعهد
خذ من دمى واكتب بأشلاء اليد = أن الجهاد سبيل كل موحد
المسجد الأقصى سيعلم أننا = نحن العباد وقد بعثنا للغد
دوما أولى بأس شديد كلما = حمى الوطيس نسل كل مهند
وإذا تعود إلى التمرد عصبة = عدنا لها والعود للمتمرد
ويعود إن شد الرضيع على العدا = فى كل ثانية بيوم أسود
وفى هذه المناسبة أيضا نود أن نذكر أصحاب مثل هذه المؤامرات والمخططات والمكائد أو من يشجعها ويدعو إليها، بأن لحوم العلماء مسمومة، ألا فليحذروا النيل منها أو توجيه الأذى لها، لأن ذلك يمكن أن يعود لعنة على حياة الكائدين والمدبرين، بل وعلى كراسيهم وسائر أنظمتهم.
ورسالتنا للقدس أيضا فى هذا المقام، حتى لا تعلم بأن مثل هذه المؤامرات لن تهز فى العاشقين لها شعرة، ولن تؤثر فيهم قيد أنملة، حتى تبيت مستريحة سعيدة:
لا تحزنى ياقدسُ .. عاد مكاننا = وكتائبُ "التحرير" لا تخزينا
لا تحزنى يا قدسُ .. عاد جهادنا = لا تحزنى .. والنصرُ فى أيدينا
لا تحزنى يا قدس .. لا تتألمى = ما عاد شيئٌ فى الورى يطوينا
ما عاد شيئٌ للطغاة يَرُدُّنا = أو عن ثَراك وطهره يُثنينا
قد أُسْقِطَ العملاءُ فى ناديهُمُ = واللهُ أعلى فى الورى نادينا
وأما برقيتنا إلى د. سلطان، فإننا على يقين من أن إيمانك بقضية فلسطين أرسخ من الجبال وأعمق من خفايا الضمائر، وهنيئا لك أيها البطل بهذا الإيمان الذى زلزل أركان الصهاينة، وجعلهم يتتبعون سيرك، ليضربوك فى ولدك، أو يحاكمونك فى رأيك. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
__________
* أستاذ مشارك بجامعتى البحرين والأزهر الشريف

