وائل قنديل

كاتب صحافي مصري

 

ما الذي يضير الإنسان العربي، حاكمًا أو محكومًا، في أن تمتلك إيران من القدرة والقوّة ما يجعلها تصمد أمام عدوان أميركي صهيوني، وتفرض معادلات جديدة في الإقليم، وتكسر معادلات كان يظنّها الصهيوني من الثوابت المُلزمة للنظام العربي كلّه؟ ما الذي يُخيف العربي من إيران قوّية بمواجهة تحالف من الأوغاد لا يخفون أطماعهم في كلّ شبر من خريطة الوطن العربي، ويتصرّفون كأنّهم وحوش الغابة، وعلى كلّ ما سواهم أن يختاروا بين القيام بدور الأرانب والحملان الوديعة، أو لعب دور العشب الذي يتحرّك فوقه الجبابرة الذين يعلنون أنّه ليس مسموحًا لغيرهم امتلاك القوّة؟

 

تتطلّب الإجابة عن هذه التساؤلات العودة إلى ما قبل العدوان أخيرًا، المُمتدّ، الذي شنّه نتنياهو وترامب على إيران، والوقوف على حالة العلاقات العربية الإيرانية، والتي هي علاقة قوميتين عريقتين ضاربتين بجذورهما في التاريخ، لجهة اختلاف اللغة والعرق، لكنّها من جهة أخرى علاقة شركاء في حضارة إسلامية واحدة قدّمت للبشرية مُنتجات معرفية غيّرت وجه التاريخ. هنا السؤال: هل كان العرب وإيران في حالة حرب اقتصادية أو صراع عسكري؟ الإجابة: لا، لم يكن ثمّة اشتباك أو عراك مادي بين الطرفين، نعم كانت ولا تزال وستبقى اختلافات في مسائل تفصيلية، يلعب على تضخيمها المتربّصون بالجانبين، لكنّها الاختلافات التي يمكن أن يتعايش معها الجميع ويديرونها على النحو الذي لا يأخذ المنطقة إلى الهلاك.

 

 اقتصاديًًا، وسياسيًّا، كان التعاون العربي الإيراني أكبر من الخلاف القومي أو المذهبي، ومرّة أخرى لا يمكن لأحد أن يتجاهل واقع علاقات سياسية واقتصادية وثقافية عميقة ومُمتدّة ومُتطوّرة بين إيران والدول العربية، وخصوصًا في الجانب الاقتصادي من هذه العلاقات، إذ يصل حجم التبادل التجاري بينها وبين العرب إلى عشرات المليارات من الدولارات سنويًا، ويدهشك أنّ الإمارات تصدّرت الدول العربية، والثانية على مستوى العالم بعد الصين في قائمة الشركاء التجاريين مع إيران، حيث تظهر الأرقام أنّ التجارة مع الإمارات في 2024 بلغت نحو 28 مليار دولار مُحقّقةً طفرة تاريخية.

 

على المستويين، السياسي والاستراتيجي، كانت إيران حاضرة بقوّة، وبدعوة من الدول العربية، في القضية الأخطر والأكبر، والتي درجوا على تسميتها "قضية العرب المركزية" حين تداعى القوم للاجتماع من أجل مناقشة الموقف من العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني في غزّة، وذلك في القمّة العربية الإسلامية التي انعقدت في الرياض في 11 نوفمبر 2023 حين اجتمع قادة 57 دولة عربية وإسلامية في ما عُرِفت باسم "القمّة الطارئة" على بعد خمسة أسابيع من المجازر الإسرائيلية ضدّ الشعب الفلسطيني في غزّة، وحضرتها طهران، صاحبة القدر الأكبر من الوعيد للعدو الصهيوني بالتصدّي له بالقوّة المُسلّحة إن تجاوز الخطّ الأحمر، الذي هو التوغّل البرّي في قطاع غزّة، وكان لافتًا ذلك الترحيب الخاص من رئيس القمّة بالرئيس الإيراني، على نحو بدا معه وكأنّ لحظة تاريخية لتجاوز الخلافات المذهبية والسياسية قد حانت من أجل فلسطين.

 

هذا الموقف الإيراني من العدوان على غزّة ولبنان لاحقًا كان السبب الرئيس في حربين شنّتهما تل أبيب وواشنطن في 2025 ثمّ في العام الجاري، إذ يتواصل العدوان على قاعدة الإجهاز بالكلية على محور المقاومة، وفي القلب منه طهران، إذ لا يخرج الخطاب الأميركي الصهيوني عن النصّ الثابت بضرورة القضاء على قوّة إيران العسكرية، ونزع السلاح من جبهات المقاومة في كلّ من فلسطين ولبنان. وبالتالي، تُعاقب إيران على مواقف كان أجدر بالدول العربية الاضطلاع بها لو كنّا في زمن عربي حقيقي، إذ لا تعريف آخر للعروبة غير التناقض الجذري مع الفكرة الصهيونية التي تتمدّد في أنحاء المنطقة.

 

الشاهد أنّ هذا النضال العربي الرسمي من أجل محو مبدأ مقاومة الاحتلال من الوجود، وكذا الإبقاء على إيران ضعيفة ومُلحقة بمحور الضعف الاختياري العربي، يجعل من هذه الدول سلاحًا دفاعيًّا عن الكيان الصهيوني، أخطر وأهم بكثير من القبّة الحديدية الصاروخية.