تصطدم آمال أهالي محافظة القليوبية بواقع صحي متأزم داخل مستشفى طوخ المركزي الجديد، حيث تسبب العجز الحاد في الكوادر الطبية وهيئات التمريض في تعطيل التشغيل الكامل للمنشأة، رغم انتهاء التجهيزات والإنشاءات، متسبباً في حرمان نحو 48 قرية ومركزين من الخدمات العلاجية.
​
​
وتصاعدت الضغوط الرقابية إثر تقديم عضو مجلس النواب محمد سليم طلب إحاطة عاجل للحكومة، محذراً من تحول الصرح الطبي إلى عنوان لإهدار الاستثمارات العامة وتجميد الإمكانات المتطورة، بينما تفتقر أقسام الطوارئ للكوادر القادرة على إنقاذ مصابي حوادث طريق القاهرة الإسكندرية الزراعي.
​
​


تجميد التجهيزات الطبية في غياب الكوادر
​
​
بدايةً، تبرز الأزمة الهيكلية في بقاء 23 سرير عناية مركزة و16 حضانة أطفال مبتسرين خارج الخدمة الفعلية، نتيجة غياب الكفاءات الطبية والتمريضية، فضلاً عن تعطل 7 غرف عمليات كبرى مجهزة، مما يفرض على المرضى مشقة الانتقال نحو مستشفيات بعيدة.
​
​
وعلاوة على ذلك، تواجه وحدات الرنين المغناطيسي والقسطرة القلبية شللاً تشغيلياً، نظراً لغياب أطباء التخدير والجراحة وفرق التمريض المتخصصة، الأمر الذي يعطل تقديم التدخلات العاجلة لإنقاذ الحالات الحرجة على مدار 24 ساعة متواصلة داخل المركز الصحي.
​
​
وبسبب هذه الفجوة التنفيذية، تتكدس حالات الطوارئ في غرف الاستقبال دون تقييم دقيق، نتيجة غياب الأطباء الاستشاريين والأخصائيين، مما يضع حياة المصابين أمام مخاطر جسيمة تتضاعف مع استمرار العجز الحاد في أطقم التمريض المعنية بالرعاية الفائقة.
​
​
وفي السياق ذاته، يرى منسق لجنة الدفاع عن الحق في الصحة الدكتور محمد حسن خليل أن الاكتفاء بالبناء الخرساني دون تمويل التشغيل يعكس خللاً تخطيطياً، مؤكداً أن المنظومة تعاني من نزيف الكفاءات بسبب تدني بيئة العمل الحكومية.
​
​
ومن هذا المنطلق، تتحول الأجهزة الطبية الحديثة إلى أصول مجمدة تفقد قيمتها تدريجياً، في وقت يتواصل فيه حرمان آلاف المواطنين من العلاج المجاني، ليتضاعف الضغط على المستشفيات العامة في بنها وشبرا الخيمة بصورة تفوق طاقتها.
​
​


إهدار الموازنات يفاقم معاناة المواطنين
​
​
وبناءً على ذلك، يدفع أهالي مركزي طوخ وقها أثماناً باهظة جراء تعطل الطاقات الاستيعابية، حيث يضطر الأهالي إلى اللجوء للمستشفيات الخاصة وتكبد تكاليف باهظة، رغم الآمال العريضة التي علقوها على تدشين هذا الصرح الطبي الحكومي.
​
​
ومن جهة أخرى، يمثل الشلل التشغيلي تهديداً مباشراً لسلامة المسافرين على طريق القاهرة الإسكندرية الزراعي، لكونه من أكثر الطرق كثافة مرورية وأعلاها في معدلات الحوادث، التي تحتاج إلى تدخلات جراحية عاجلة لا تحتمل التأخير أو النقل.
​
​
وبموازاة ذلك، يبرز نقص المستلزمات الطبية والمستهلكات الدورية كعائق رئيسي يهدد انتظام الفحوصات المتقدمة، خصوصاً لجهاز الرنين المغناطيسي وقسطرة القلب، في ظل غياب عقود الصيانة الدورية ونقص قطع الغيار الضرورية لاستدامة العمل.
​
​
وفي هذا الإطار، يشدد عضو مجلس نقابة الأطباء الأسبق الدكتور إيهاب الطاهر على أن تشغيل المشروعات الصحية يتطلب موازنات مالية تضمن تدفق الأدوية والمستلزمات، موضحاً أن غياب الاستدامة يحول الأجهزة المتطورة إلى ديكور هندسي عقيم.
​
​
واستناداً إلى ذلك، تتعاظم المخاوف من استمرار نزيف المال العام في مشروعات لا تكتمل دورتها الخدمية، نتيجة غياب الرؤية الشاملة التي تربط بين تشييد المباني وضمان تشغيلها الفعلي، مما يفرغ الاستثمارات الحكومية المعلنة من مضمونها الاجتماعي.
​
​
وفضلاً عن المعاناة العلاجية، يخلف تعطل 16 حضانة للأطفال المبتسرين مآسي إنسانية متكررة للعائلات، التي تواجه صعوبات شاقة في العثور على أسرة شاغرة، وسط عجز مالي عن سداد نفقات الحضانات بالقطاع الخاص التي تستنزف مدخراتهم.
​
​


أزمات البنية التحتية تحاصر المستشفى
​
​
وفي سياق متصل، تحاصر مشكلات شبكة الصرف الصحي الخارجية محيط المستشفى، مهددة بحدوث تلوث بيئي وانتشار للأوبئة، فضلاً عن إعاقة حركة سيارات الإسعاف والمرضى، وسط غياب المعالجة الحاسمة من شركة مياه الشرب والصرف الصحي بالقليوبية.
​
​
وعلى الصعيد ذاته، تتصاعد تحذيرات الأهالي من انعكاس طفح الصرف على كفاءة المنشأة وسلامة بنيتها الإنشائية، لافتين إلى أن تجاهل ربط المرافق الحيوية بصورة علمية يهدد بتحويل المنطقة إلى بؤرة خطرة تعطل الخدمات الإسعافية الطارئة.
​
​
وفي هذا الصدد، يؤكد خبير السياسات الصحية الدكتور علاء غنام أن سلامة البيئة المحيطة بالمستشفيات تمثل ركيزة حاسمة لمكافحة العدوى، مبيناً أن عجز أجهزة الحكم المحلي عن تأمين المرافق الأساسية يفرغ المعايير الطبية من أهدافها العلاجية.

ونتيجة لهذا التردي، طالب ممثلو المجتمع المحلي بتنسيق عاجل وحازم بين وزارتي الصحة والإسكان، لوضع حد لأزمة المرافق المتفاقمة، وإلزام الجهات التنفيذية بجدول زمني ينهي القصور القائم ويضمن وصول سيارات الطوارئ دون عوائق مهددة للأرواح.
​
​
وإزاء ذلك، حث التحرك البرلماني الحكومة على إعداد بيان متكامل بالوضع التشغيلي للمستشفى، محددين نسب تشغيل أسرة العناية والحضانات وغرف العمليات، إلى جانب توضيح خطة سد عجز الأطباء والمستلزمات لضمان الاستغلال الأمثل للاستثمارات العامة المهدورة.
​
​
وختاماً، تظل استعادة كفاءة مستشفى طوخ المركزي مرهونة بإرادة حقيقية تترجم المشروعات إلى خدمات ملموسة، مشددين على أن جودة المنشآت الصحية تقاس بقدرتها على إنقاذ الأرواح واستدامة الخدمة، لا بمجرد تشييد جدران صماء تفتقر للحياة والجاهزية.