يضع نقيب الصحفيين المصريين خالد البلشي واقع مهنة الصحافة أمام مواجهة صريحة مع السلطة، واصفاً الأوضاع الحالية بالعيش داخل مفرمة تطحن الحريات وحقوق العاملين، ومشدداً على استحالة نيل حرية حقيقية دون تحقيق استقلال مالي يحمي المؤسسات من الخضوع للضغوط الرسمية والتبعية الاقتصادية المباشرة.
​
​
وتزامنت تصريحات نقيب الصحفيين في حواره لموقع المنصة مع أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة، حيث تؤكد نتائج استطلاع نقابي حرمان أكثر من 60% من الصحفيين من تقاضي الحد الأدنى للأجور، في وقت تتسع فيه دائرة الملاحقات الأمنية للمنصات الرقمية المستقلة وقرارات الإغلاق ومصادرة الأجهزة ومحاكمة أعضاء الجمعية العمومية.
​
​
ملاحقات أمنية وإغلاق للمنصات المستقلة
​
​
وتصاعدت في الآونة الأخيرة وتيرة الاستهداف الأمني للمؤسسات الصحفية، متجاوزة ملاحقة الأفراد إلى الإغلاق الجماعي للمواقع ومصادرة معداتها، على غرار مداهمة منصة متصدقش في نهاية سبتمبر الماضي واحتجاز 6 صحفيين، فضلاً عن صدور حكم قضائي يقضي بإغلاق موقع مدى مصر وتغريم رئيسة تحريره 3 ملايين جنيه.
​
​
وفي تطور يعكس عمق الأزمة المهنية، تقدمت النقابة ببلاغات رسمية لحماية المقبوض عليهم ومناهضة الانتهاكات وعرض الإفراج بضمانتها، مؤكدة تمسكها بمبدأ براءة المتهم حتى تثبت إدانته والدفاع المتساوي عن النقابيين وغير النقابيين، رغم اتهامات النيابة للمنصة بإثارة الاحتقان والادعاء بتبعيتها لجماعة محظورة لتقويض دورها الرقابي.
​
​
وبموازاة ذلك، تواجه المنصات الرقمية تعنتاً إدارياً مستمراً في ملف التراخيص من قبل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، الذي يمتنع عن الرد على طلبات توفيق الأوضاع بموجب القانون 180 لسنة 2018، مما يفتح الباب أمام الملاحقات القضائية والحجب الإداري التعسفي لنحو 5 مواقع، من بينها موقع فكر تاني.
​
​
وعلى صعيد التحركات النقابية، أوضح البلشي أن غيابه عن محاكمة لينا عطا الله في 27 أكتوبر الماضي جاء لالتزام مسبق خارج القاهرة وتفويض ممثلين قانونيين، مشدداً على أن القضية تخص حرية الإصدار بالمجتمع، ومعتبراً الدفاع عن الكيانات المستقلة واجباً نقابياً لمواجهة سياسات محاصرة التعددية الصحفية.
​
​
ويرى المحامي بالنقض والمستشار الحقوقي نجاد البرعي أن التوسع في إغلاق المنصات الإلكترونية يمثل خرقاً صريحاً للضمانات الدستورية الخاصة بحرية الصحافة وتداول المعلومات، معتبراً الامتناع الإداري عن منح التراخيص وتجريم النشر وسيلة ممنهجة لتصفية ما تبقى من الفضاء الرقمي المستقل وتقويض الحق الأصيل للمجتمع في المعرفة والمحاسبة.
​
​
قيود العضوية ومأزق الحوار المغلق
​
​
ويصطدم مئات الصحفيين العاملين في المواقع الإلكترونية بجدار قانون إنشاء النقابة رقم 76 لسنة 1970، الذي يقصر العضوية والحماية النقابية على العاملين المعينين في الصحافة المطبوعة، مما خلق أزمة تمثيل واسعة عادت بقوة إلى النقاش العام عقب تقدم الإعلامي شريف عامر بطلب القيد في أغسطس الماضي.
​
​
وحذر البلشي من خطورة الدفع بتعديل تشريعي داخل البرلمان لتوسيع شروط القيد، مستشهداً بتحذيرات نواب صحفيين وتجربة تعديلات قانون الإجراءات الجنائية التي خرجت بصيغ مشوهة فرضت تدخل قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، مفضلاً خيار إعادة تفسير النصوص القديمة ديمقراطياً عبر الجمعية العمومية لدمج صحافة الوكالات والمواقع.
​
​
ورفض نقيب الصحفيين مقترحات إنشاء كيانات نقابية موازية لتنظيم العاملين في المواقع أو ملاكها، مستنداً إلى الحظر الدستوري لتعدد النقابات المهنية الواحدة، ومنبهاً إلى أن استمرار إغلاق أبواب القيد يهدد بقاء النقابة ومستقبلها ويدفع المهمشين للبحث عن بدائل تنظيمية خارج مظلتها الشرعية للدفاع عن حقوقهم المهنية.
​
​
وفي سياق التفاوض مع أجهزة الدولة، تستعد النقابة للمشاركة في المؤتمر السنوي الأول للإعلام في 3 ديسمبر، رغم تعثر تنفيذ التوصيات السابقة المرفوعة لرئاسة الوزراء في فبراير 2026، والتي تضمنت إلغاء العقوبات السالبة للحرية بقضايا النشر وإقرار تشريع تداول المعلومات الذي حظي بتأييد 60 نائباً دون إقراره.
​
​
ودافع البلشي عن استمرار الحوار المؤسسي مع أجهزة الدولة باعتباره الأداة الواقعية الوحيدة المتاحة لانتزاع المكاسب وفتح نوافذ للحركة، رافضاً خيارات المقاطعة والانسحاب، ومؤكداً أن التفاوض النقابي يظل واجباً إلزامياً لا رفاهية فيه لنقل مطالب المهنة والدفاع عن حقوق الممارسين في مختلف منصات النشر ومواقع العمل.
​
​
ويؤكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة الدكتور مصطفى كامل السيد أن تعطل استجابة السلطة لمطالب الصحفيين التشريعية يحول جولات الحوار إلى مساحات لاحتواء الأزمات دون تقديم تنازلات حقيقية، مشيراً إلى أن توسيع عضوية النقابة يظل شرطاً بنيوياً لبناء تضامن نقابي قادر على مواجهة القرارات الأحادية للسلطة التنفيذية.
​
​
استقلال مالي مفقود وتراجع للأجور

 

وتبرز الأوضاع المعيشية تدهوراً حاداً في البنية الاقتصادية للجماعة الصحفية، حيث أظهر استطلاع نقابي حديث أن أكثر من 60% من الصحفيين يتقاضون أجوراً دون الحد الأدنى القانوني، وسط حرمان بعضهم تماماً من الرواتب في مؤسسات خاصة تعتمد كلياً على بدل التدريب والتكنولوجيا كبديل زائف عن أجور العمل.
​
​
وربط النقيب تراجع مستوى الأجور بانحسار هوامش الحريات العامة مقارنة بعام 2012، معتبراً أن غياب الاستقلال المالي يجبر النقابة على طرق أبواب الحكومة لطلب مخصصات مالية كبدل التدريب البالغ ملايين الجنيهات، مما يضع العمل النقابي تحت مقصلة التنازلات اليومية ويفقد المؤسسات قدرتها على حماية استقلاليتها المهنية.
​
​
وشهدت الفترة الماضية تنظيم إضرابات عمالية داخل مؤسسات دولية ومحلية شملت بي بي سي ورويترز والوفد والبوابة لانتزاع زيادات للأجور، في حين تصاعد الجدل الداخلي حول التظاهر فوق سلم النقابة التاريخي الذي شهد تفاهمات حذرة وتدخلات متكررة من البلشي لمنع المداهمات الأمنية وتأمين الإفراج الفوري عن محتجزين.
​
​
ويستعد البلشي لمغادرة مقعد النقيب بانتهاء ولايته الثانية في مارس 2027، مراهناً على صلابة الجمعية العمومية في التصدي لمحاولات تحويل النقابة إلى مجرد أداة خدمية مفرغة من محتواها النضالي، وداعياً إلى الفصل الصارم بين استحقاقات الدعم المالي والقرارات الانتخابية لضمان بقاء الكيان النقابي صوتاً حراً للعاملين.
​
​
ويوضح الباحث الاقتصادي وخبير السياسات العامة وائل جمال أن تآكل أجور الصحفيين وتحويل البدل الحكومي إلى مصدر الدخل الأساسي يمثلان أداة تطويع اقتصادي غير معلنة، لافتاً إلى أن تحرير العمل النقابي يقتضي تفكيك الاحتكار والسيطرة المالية للدولة، وضمان أجور تعاقدية عادلة توفر الحماية المهنية وتوقف ابتزاز المؤسسات.
​
​
وتخلص وقائع المعركة النقابية الراهنة إلى أن استعادة توازن العمل الصحفي تتطلب ربط الدفاع عن الحريات بالاستحقاقات الاقتصادية والاجتماعية المشروعة، في ظل محاولات السلطة المستمرة لتطويق الأصوات المعارضة، مما يضع الجمعية العمومية أمام مسؤولية حماية استقلالية نقابتها وتثبيت مكتسبات المهنة التاريخية قبل انطلاق الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.