أصدر رئيس مجلس وزراء حكومة الانقلاب برئاسة مصطفى مدبولي القرار رقم 3351 لسنة 2026، القاضي بنزع ملكية مساحة تبلغ 17 فداناً والاستيلاء بطريق التنفيذ المباشر على عقارات ومحال بكورنيش النيل في مدينة دمياط بطول 450 متراً، تحت ذريعة إعادة التخطيط والتطوير العمراني لصالح المنفعة العامة، وسط تصاعد القلق الشعبي من التداعيات.
وتأتي هذه الخطوة استكمالاً لتوجهات النظام الحاكم بقيادة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي الرامية لإعادة هندسة الواجهات النيلية والساحلية قسرياً، حيث أودعت السلطات مبلغ 50 مليون جنيه تحت حساب التعويضات، متجاهلة اعتراضات الملاك التاريخيين وحقوقهم الدستورية، ومستندة إلى آليات التثمين الجبري التي تفرضها الأجهزة التنفيذية في المحافظات.
استيلاء حكومي مباشر بكورنيش دمياط
استناداً إلى ما نشرته الجريدة الرسمية، شرعت الحكومة في تطبيق المادة الأولى من القرار التنفيذي، معلنة اعتبار مشروع تطوير الشريط النيلي بدمياط من أعمال النفع العام، بهدف الاستحواذ الفوري على مبانٍ سكنية وتجارية مطلة على النهر، دون منح السكان مهلة كافية لتدبير بدائل ملائمة تحمي استقرارهم الاجتماعي والمعيشي.
وفي سياق الإجراءات المتسارعة، تضمن القرار الاستيلاء العاجل على عمارة سكنية شهيرة تعرف باسم عمارة الشرطة، وتتألف من 5 طوابق تضم طابقاً أرضياً مخصصاً للمحلات التجارية و 4 أدوار علوية مأهولة بالسكان، لافتاً إلى إدراج أسماء قاطنيها ضمن كشوف الملاك الظاهرين بغرض تفريغ العقار بالكامل لصالح مخططات الاستثمار.
وبالرجوع إلى الوثائق الرسمية، استند الإجراء الحكومي إلى كتاب محافظة دمياط رقم 950 المؤرخ في 3 أكتوبر 2026، الذي طالب صراحة بإضفاء صفة النفع العام ومصادرة العقارات الواقعة على الواجهة المائية، متذرعاً بضرورة تطبيق الاشتراطات العمرانية الجديدة وتفكيك الكتلة المبنية القائمة لتمهيد الطريق أمام مقاولي التطوير العقاري.
وعلاوة على ذلك، تعود جذور هذا المخطط إلى قرار المجلس الأعلى للتخطيط والتنمية العمرانية رقم 21/23/09/32 المتخذ في اجتماعه رقم 30 بتاريخ 18 سبتمبر 2023، الذي بارك نزع تلك المساحة الاستراتيجية، واضعاً المواطنين أمام أمر واقع يهدد ملكياتهم الخاصة المستقرة منذ عقود طويلة تحت مسوغات التطوير السياحي.
من جهته، يرى مستشار التخطيط العمراني ومنسق مرصد العمران يحيى شوكت أن اللجوء إلى صيغة التنفيذ المباشر يفرغ حق السكن من مضمونه القانوني، معتبراً أن تحويل الملكيات الخاصة المستقرة إلى مناطق إعادة تخطيط جبرية يعكس نمطاً عمرانياً يقصي الفئات المحلية لصالح مشروعات ربحية تفقد المدن المصرية هويتها وطابعها التاريخي.
وبناءً على المعطيات الميدانية، يواجه المتضررون مسارات بالغة التعقيد، نظراً لاعتماد السلطات على المادة المنظمة للتنفيذ الفوري قبل استكمال إجراءات الفصل في النزاعات القضائية، مما يضع عشرات الأسر وأصحاب الأنشطة التجارية أمام خطر التشرد وفقدان مصادر الدخل الوحيدة التي اعتمدوا عليها طوال حياتهم المهنية والعائلية في المدينة.
جدل التعويضات وتثمين عقارات الأهالي
وفيما يخص المسار المالي، حددت المذكرة الإيضاحية مبلغا إجماليا قدره 50 مليون جنيه أودعته المحافظة كتعويض مبدئي عن كامل العقارات المنزوعة، متجاهلة الفروق الشاسعة بين الأسعار السائدة في السوق العقاري الحقيقي وبين التقديرات الحكومية المجحفة التي تقل كثيراً عن القيمة الحقيقية للأراضي الواقعة على ضفاف النيل.
وعلى صعيد آلية التوزيع، شددت المذكرة الرسمية على منع قسمة مبلغ 50 مليون جنيه بالتساوي بين الشاغلين والملاك، معتبرة أن معايير التعويض تخضع لطبيعة الموقع والمساحة والتوصيف القانوني للوحدة، وهو ما يثير ريبة الأهالي حيال إمكانية تقليص حقوقهم عبر لجان الحصر الإدارية التابعة للأجهزة الحكومية التنفيذية.
وبالتوازي مع ذلك، تؤكد بنود قانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008 على حصر وتثمين العقارات وفق الأسعار الرائجة، غير أن الممارسات التنفيذية المتبعة تفصل بين الملاك المسجلين وواضعي اليد، مما يهدد بحرمان شرائح واسعة من التعويض العادل، دافعاً المتضررين إلى التوجس من تكرار تجارب الإخلاء القسري السابقة.
وفي هذا السياق، يوضح الباحث والمحلل الاقتصادي وائل جمال أن تخصيص مبالغ مالية مسبقة ومجتزأة لا يواكب معدلات التضخم وانهيار القوة الشرائية للعملة المحلية، مشيراً إلى أن مبالغ التعويض المعلنة تعجز تماماً عن تمكين المواطنين من شراء وحدات سكنية أو تجارية مماثلة في نفس النطاق الجغرافي الحيوي.
ومن زاوية مقابلة، تشهد مساحات التفاوض بين الأجهزة المحلية وقاطني العمارة السكنية تعثراً ملموساً نتيجة غياب الشفافية، إذ يرى أصحاب المحلات التجارية أن المقابل المقترح يقتصر على الحوائط الإنشائية ويتجاهل السمعة التجارية وقيمة النشاط المستمر منذ عقود، لافتين إلى صعوبة استئناف أعمالهم في مواقع بديلة دون خسائر فادحة.
توسع سياسات الإخلاء بالمحافظات المصرية
ولا تنفصل واقعة دمياط عن نمط شامل يتكرر في محافظات عدة، حيث امتدت قرارات نزع الملكية القسرية إلى قرى الدقهلية والقليوبية لصالح مشروع محور شرق الرياح التوفيقي، مسببة اقتلاع أراضٍ زراعية ومنازل ريفية مستقرة بحجة تطوير شبكات النقل القومي وخدمة الاستثمارات اللوجستية التي تشرف عليها الحكومة.
وفي محافظة الإسكندرية، تتسارع التجهيزات الميدانية للشروع في هدم برج لؤلؤة سموحة السكني تنفيذاً لقرار مماثل يقضي بنزع ملكيته للمنفعة العامة، رغم مناشدات القاطنين وامتلاكهم تراخيص بناء رسمية وسندات ملكية مشهرة، مؤكدين أن التوسع في تطبيق مفهوم المنفعة العامة بات يهدد أمان الطبقة الوسطى واستقرارها المعيشي.
ومن جانبه، يبيّن المحامي بالنقض والمختص في قضايا الحقوق المدنية صلاح حليم أن التوسع الإداري في توظيف بند التنفيذ المباشر يخل بالضمانات القضائية المنصوص عليها في الدستور، لافتاً إلى أن الأصل في نزع الملكية هو الاستثناء المحدود والتعويض المسبق المتكافئ، وليس وسيلة لإفراغ المدن من قاطنيها لصالح مشروعات استثمارية.
وبموازاة تلك التطورات، يشير مراقبون ونشطاء حقوقيون إلى أن تسلسل قرارات الإخلاء المتزامنة بين دمياط والدقهلية والإسكندرية يعكس استراتيجية مركزية متكاملة تهدف لإعادة تسليع الأراضي الحضرية، مستغلة الصلاحيات الاستثنائية الممنوحة لمجلس الوزراء في تمرير مشروعات البنية التحتية وتجاوز مسارات الاعتراض المجتمعي والقانوني التي يكفلها التشريع المحلي.
وفي خضم هذه المعطيات المتلاحقة، يظل مصير مئات السكان معلقاً بقرارات المحافظين ولجان نزع الملكية التي تعمل بإجراءات متسارعة، مؤكدين أن غياب الحوار الحقيقي مع المجتمعات المحلية يحول مشروعات التطوير المزعومة إلى بؤر احتقان شعبي متصاعد يهدد السلم المجتمعي ويفقد المواطن ثقته بقدسية الملكية الخاصة المقررة قانوناً.
وتأسيساً على ذلك، تؤكد وقائع التجريد المالي والمكاني المتلاحقة وجود فجوة هيكلية عميقة بين خطط السلطة التوسعية وتطلعات المواطنين المتمسكين بحقهم في البقاء بمناطقهم التاريخية، لافتاً إلى أن تحويل كورنيش دمياط إلى استثمار عقاري على أنقاض مساكن الأهالي يجسد تكلفة اجتماعية وإنسانية باهظة يصعب تعويضها بمجرد وعود مالية مقبلة.

