تكشف قضية أربعة أشقاء، أسامة وأحمد وإبراهيم ومحمود إمام، عن سنوات من الاحتجاز وتعدد القضايا وقرارات إخلاء السبيل التي لم تنفذ، وسط اتهامات باستهداف أحد أفراد الأسرة للضغط على شقيقه، في واقعة تعيد تسليط الضوء على تداعيات الحبس المطول على المعتقلين وذويهم، وما يرافقه من تفكك الروابط الأسرية وضياع سنوات من العمر.
وتتصاعد معاناة الأسرة مع استمرار احتجاز الأشقاء الأربعة، رغم اختلاف ظروفهم التعليمية والمهنية والاجتماعية، إذ قضى بعضهم سنوات طويلة خلف القضبان، بينما تعرض أصغرهم، محمود، لإجراءات مراقبة أمنية امتدت خمس سنوات قبل القبض عليه وإدراجه في ثلاث قضايا متعاقبة.
وتقول مناشدات نشرها عبد الله إمام، شقيق المحتجزين، إن استمرار احتجاز إخوته يرتبط، بحسب روايته، بمطالباته المتكررة بالإفراج عنهم، مستشهدًا بعبارات نقلها عن أحد ضباط الأمن الوطني، بينها: «أنت ما عملتش حاجة، بس أنت موجود هنا عشان أخوك عبد الله».
أسامة.. ثماني سنوات وأكثر من عشر قضايا
يدخل أسامة إمام عامه التاسع خلف القضبان، بعدما اعتُقل عندما كان طالبًا بجامعة الأزهر، لتتحول سنوات احتجازه إلى مسار مختلف عن الحياة الجامعية التي كان يخطط لها.
ورغم استمرار احتجازه، تمكن أسامة من استكمال دراسته داخل السجن، وحصل على تقدير «جيد جدًا»، كما واصل اهتمامه بحفظ القرآن الكريم ودراسة القراءات القرآنية، في محاولة للحفاظ على مساره التعليمي والديني رغم ظروف السجن.
وبحسب رواية شقيقه عبد الله، أُدرج أسامة في أكثر من عشر قضايا، وأصبح حصوله على حكم بالبراءة في إحدى القضايا لا يعني خروجه، إذ كان يُدرج في قضية جديدة، بما أدى إلى استمرار احتجازه لسنوات رغم صدور أحكام قضائية لصالحه.
ووصفه عبد الله بأنه شاب مجتهد وطيب القلب، قائلًا إنه «رجل بقلب طفل»، في إشارة إلى الشخصية التي عرفتها الأسرة قبل أن تقطع سنوات الاحتجاز مسار حياته.
أحمد.. زواج انتهى بعد 6 سنوات
أما أحمد إمام، فيقبع خلف القضبان منذ نحو ست سنوات، بعدما اعتُقل بعد شهرين فقط من زواجه، لتتحول بداية حياته الزوجية إلى انتظار طويل انتهى بانفصال زوجته عنه بعد ست سنوات من الغياب.
وكان أحمد قد حصل على بكالوريوس التربية الرياضية من جامعة الأزهر بتقدير «جيد جدًا»، وعمل مدربًا للتربية الرياضية واللياقة البدنية، كما مارس التحكيم في كرة القدم ولعب الهوكي، وشغل وظيفة مدير للمشتريات بإحدى الشركات الخاصة.
وتشير هذه الخلفية إلى حياة مهنية واجتماعية كانت مستقرة قبل اعتقاله، لكنها توقفت مع استمرار احتجازه، إذ فقد عمله وحياته الزوجية، وابتعد عن أسرته وأصدقائه خلال سنوات كان من المفترض أن تشهد بناء مستقبله.
ويحفظ أحمد القرآن الكريم ويواصل دراسة القراءات، بينما يصفه شقيقه بأنه صاحب خلق وأمانة وطيب القلب، في صورة تتناقض مع السنوات التي قضاها بعيدًا عن حياته الطبيعية.
إبراهيم.. 6 سنوات بعيدًا عن العمل والأسرة
لم يكن إبراهيم إمام بعيدًا عن المصير نفسه، إذ يقبع في السجن منذ نحو ست سنوات، بعدما كان يعمل في المجال العقاري عقب حصوله على دبلوم التعليم الصناعي.
وخلال فترة احتجازه، تمكن إبراهيم من حفظ القرآن الكريم كاملًا، بعدما كان لا يحفظ سوى قصار السور، مستفيدًا من الوقت الذي فرضته عليه ظروف السجن في استكمال رحلته مع الحفظ.
ويصفه شقيقه بأنه شخص هادئ وطيب القلب، لا يميل إلى المشكلات، لكن سنوات الاحتجاز أبعدته عن عمله وحياته الاجتماعية، وحرمته من ممارسة حياته وسط أسرته، في ظل استمرار الإجراءات القانونية التي تحول دون عودته إلى منزله.
محمود.. خمس سنوات من المراقبة قبل الاعتقال
تبدو حالة محمود إمام مختلفة عن أشقائه، بالنظر إلى صغر سنه والظروف التي سبقت احتجازه. فبحسب رواية شقيقه، كان طفلًا يبلغ نحو ثماني أو تسع سنوات عندما غادر عبد الله مصر عام 2014، ولم يكن يشغله سوى الدراسة والعمل والأصدقاء.
ويشير عبد الله إلى أن محمود كان في السادسة من عمره تقريبًا خلال أحداث عام 2011، والثامنة خلال عام 2013، ولم يكن له أي نشاط سياسي، كما كان قد أجرى عملية جراحية بأحد مستشفيات مدينة نصر في طفولته.
لكن الإجراءات الأمنية بدأت، وفقًا لشهادة شقيقه، عندما بلغ محمود الخامسة عشرة، إذ أُلزم بالحضور شهريًا إلى قسم الشرطة لإثبات وجوده، واستمر ذلك خمس سنوات، بالتزامن مع فرض قيود على حركته وتنقله وسفره.
وبعد التزامه بهذه الإجراءات طوال تلك المدة، تلقى استدعاءً أمنيًا أعقبه القبض عليه. وحصل لاحقًا على قرار بإخلاء سبيله في القضية الأولى، قبل إدراجه في قضية ثانية صدر فيها قرار مماثل لم يُنفذ، ثم أُدرج في قضية ثالثة استمر احتجازه على ذمتها.
وبحسب مناشدة عبد الله، أمضى محمود عامًا وشهرين خلف القضبان حتى وقت نشرها، وسط تدهور حالته النفسية ومعاناته من الحزن والاكتئاب، حتى أصبح حلمه الوحيد الخروج من السجن ورؤية الشمس والعودة إلى غرفته في منزل أسرته.
اتهامات باستخدام محمود للضغط على شقيقه
وتتجاوز الاتهامات التي طرحها عبد الله إمام مسألة استمرار الاحتجاز وتعدد القضايا، إذ يتهم الأجهزة الأمنية باستهداف محمود بسبب مطالباته بالإفراج عن أشقائه الثلاثة.
ونقل عبد الله عن أحد ضباط الأمن الوطني قوله: «أنت ما عملتش حاجة، بس أنت موجود هنا عشان أخوك عبد الله»، كما أورد في مناشدة أخرى عبارة «عشان أخوك يعرف يتكلم كويس»، معتبرًا أن هذه التصريحات تكشف، بحسب روايته، عن وجود علاقة بين احتجاز شقيقه الأصغر ومطالباته الحقوقية بالإفراج عن بقية أفراد الأسرة.
والدان ينتظران ونداء للعودة إلى المنزل
ولم تتوقف تداعيات احتجاز الأشقاء الأربعة عند حياتهم الشخصية، بل امتدت إلى والديهم، اللذين يواصلان السعي وراء أبنائهما وزيارتهم وتلبية احتياجاتهم، وسط سنوات من القلق والانتظار، وما تفرضه الزيارات والإجراءات المرتبطة بالاحتجاز من أعباء نفسية واجتماعية.
وفي واحدة من أكثر المناشدات تعبيرًا عن حجم المعاناة، أعلن عبد الله استعداده للعودة إلى مصر وتحمل ما قد يترتب على عودته من احتجاز، مقابل الإفراج عن أشقائه، في محاولة لإنهاء معاناة الأسرة التي امتدت لسنوات.
كما أبدت الأسرة استعدادها لقبول تدابير أو تعهدات تسمح بعودة الأشقاء إلى منازلهم، حتى لو تضمنت تحديد إقامتهم داخل المنزل، مؤكدة أن مطلبها لم يعد يتجاوز اجتماع أفرادها مجددًا والعيش بعيدًا عن ظروف السجون الصحية والمعيشية.
وفي سياق متصل، تطالب المنظمات الحقوقية بمراجعة الأوضاع القانونية للأشقاء الأربعة، والتحقيق في الشكاوى المتعلقة بإعادة إدراج المحتجزين في قضايا جديدة عقب صدور أحكام بالبراءة أو قرارات بإخلاء السبيل، والتأكد من عدم استخدام الإجراءات القانونية للالتفاف على القرارات القضائية.
كما تدعو إلى التحقق من الاتهامات المتعلقة باستهداف محمود بسبب مطالبات شقيقه، وضمان حصول الأشقاء على الرعاية الصحية والنفسية اللازمة، والإفراج عنهم ما لم تتوافر أسباب قانونية مشروعة تبرر استمرار احتجازهم.
وتؤكد المبادئ الحقوقية أن المسؤولية الجنائية شخصية، وأن احتجاز أي إنسان لمجرد صلته بأحد أفراد أسرته، إذا ثبت وقوعه، يمثل انتهاكًا للحق في الحرية والأمان الشخصي، ويستوجب تحقيقًا مستقلًا ومحاسبة المسؤولين عنه.
وبين ثماني سنوات لأسامة، وست سنوات لكل من أحمد وإبراهيم، وسنوات المراقبة والاحتجاز التي عاشها محمود، تبدو مأساة الأسرة أكبر من مجرد أرقام في ملفات القضايا. أربعة أشقاء توقفت حياتهم خلف القضبان، وزواج انتهى، وأعمال ودراسة تعطلت، ووالدان ينتظران عودة أبنائهما، بينما لا يزال عبد الله يوجه مناشداته لإنهاء معاناة أسرته، التي لم يعد مطلبها سوى أن يجتمع أفرادها تحت سقف منزل واحد.

