رضخت هيئة الدواء المصرية لضغوط الشركات الاستثمارية، وأقرت زيادات سعرية طالت 40 صنفاً دوائياً بنسب تراوحت بين 10 و20 بالمئة، ليتحمل المواطن أعباء إضافية بدءاً من شهر يناير 2027.
​
​
تزامنت هذه الخطوة مع تقديم شركات الأدوية مذكرات متتالية منذ شهر ديسمبر الماضي، تطالب بتحريك أسعار هذه الأصناف المنتقاة من بين 1000 صنف، متذرعة بخسائر فادحة جراء انهيار العملة.
​
​


تسعير جبري يشرعن الاستغلال المستمر
​
​
من جانبها، اعتمدت الهيئة آلية التسعير الجبري لتمرير هذه الارتفاعات، متجاهلة معاناة المواطنين، وموفرة غطاء رسمياً يحمي هوامش أرباح المستثمرين على حساب الحق الأصيل في العلاج الشامل.
​
​
بدورها، اعتبرت الدكتورة علياء المهدي، أستاذة الاقتصاد بجامعة القاهرة، أن السياسات الحكومية الحالية فشلت في حماية السوق، مؤكدة أن المواطن يدفع فاتورة اختلالات هيكلية لا ذنب له فيها مطلقاً.
​
​
وبناءً على ذلك، استقبلت الجهات الرسمية 400 طلب لإعادة التسعير منذ شهر يوليو الماضي، حيث استجابت المنظومة لما يقارب 10 بالمئة فقط من إجمالي تلك الطلبات المرفوعة لصالح الكيانات الدوائية.
​
​
علاوة على ما سبق، تفاقمت أزمة اختفاء العلاج بشكل مروع، لتتجاوز قائمة نواقص الأدوية بالأسواق 230 صنفاً أساسياً منذ عام تقريباً، مما وضع حياة ملايين المرضى في خطر حقيقي ملموس.
​
​
ورغم هذه التداعيات، طالبت الكيانات بزيادات مجحفة تصل نسبتها بين 40 و50 بالمئة، وهو ما قوبل برفض جزئي لتجنب انفجار مجتمعي، ليتم الاكتفاء بجرعات زيادة تدريجية تبدأ قريباً.
​
​


انهيار الجنيه يفاقم كوارث الدواء
​
​
على صعيد آخر، سجل سعر صرف الدولار قفزات جنونية متجاوزاً حاجز 56 جنيهاً، متأثراً بالتوترات الجيوسياسية المتصاعدة منذ شهر أبريل الماضي، مما ضاعف تكلفة استيراد المواد الخام الحيوية الفعالة.
​
​
وبالتوازي مع هذا الانهيار، تبرأت السلطات من مسؤوليتها عن توفير العملة الصعبة، تاركة القطاع الصحي فريسة سهلة لتقلبات السوق السوداء واحتكار الموردين الباحثين عن أقصى عوائد مالية سريعة.
​
​
وفي هذا الصدد، أوضح الدكتور إسلام عنان، أستاذ اقتصاديات الدواء، أن إدارة المنظومة الدوائية تتسم بالتخبط الشديد، مبيناً أن السياسات النقدية العقيمة دمرت استقرار الإمدادات العلاجية تماماً بالأسواق المحلية.
​
​
نتيجة لذلك، أصبحت فئات واسعة من المرضى عاجزة عن تدبير تكاليف أبسط العلاجات اليومية، لتتحول الصيدليات إلى ساحات خاوية تعكس بوضوح عمق الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالدولة كاملة مؤخراً.
​
​
ومن الجدير بالذكر، أن الهيئة مررت في يونيو 2024 زيادات قاسية تراوحت بين 20 و50 بالمئة، عقب تحرير الصرف خلال شهر مارس حين لامس الدولار سقف 51 جنيهاً مصرفياً.
​


​
أمراض مزمنة تواجه شبح الاختفاء
​
​
وفي خضم هذه المعاناة، تمس الزيادات المرتقبة مستحضرات استراتيجية لا غنى عنها، لتشمل علاجات الغدة الدرقية، وأمراض القلب والضغط، بالإضافة إلى المضادات الحيوية الخاصة بجراحات العظام المعقدة والخطيرة.
​
​
فضلاً عن ذلك، يعاني مرضى السكري وأمراض الدم من ندرة حادة في أدويتهم الطبية، مما يجعل إقرار التسعيرة الجديدة بمثابة ضريبة جبرية تفرض على حقهم الأساسي والمركزي في الحياة.
​
​
من ناحيته، بين الدكتور محمد حسن خليل، استشاري أمراض القلب، أن اللجوء المستمر لجيوب المرضى لسد فجوات الإنتاج يمثل كارثة محققة، محذراً من انهيار المنظومة العلاجية لذوي الأمراض المزمنة.
​
​
وبينما تتفاقم الكارثة، تستمر الكيانات التجارية في ممارسة ضغوط منهجية عبر تقليص كميات الطرح بالأسواق الحالية، لابتزاز الجهات التنفيذية ودفعها نحو إقرار مكاسب مالية إضافية لا تراعي الظروف الطاحنة.
​
​
وفي سياق موازٍ، سارعت الغرف التجارية بنفي أي ممارسات تعمدية لسحب المستحضرات لتعطيش السوق، وهو تبرير واهٍ يتناقض جذرياً مع الواقع المأساوي الذي يعيشه المريض يومياً بحثاً عن دوائه المفقود.
​
​
وختاماً، تبرز هذه الأزمة تعنت السلطات في صياغة استراتيجية وطنية جادة لصناعة الدواء، مكتفية بمسكنات اقتصادية يدفع ثمنها المواطن البسيط من صحته وقوته، وسط تدهور غير مسبوق للمستوى المعيشي.