اقتحمت الآليات الثقيلة حدائق الشلالات التاريخية وسط الإسكندرية، دون إعلان مخطط هندسي معتمد، لتفرض وقائع مادية خشنة تهدد معالم موقع عريق تجاوز عمره 120 عاماً، في غياب تام لممثلي المجتمع المدني والمؤسسات التراثية المستقلة.
​
​
إلى جانب ذلك، تتسارع أعمال الحفر التجريفية بالتزامن مع تبريرات التجميل الشكلي، متجاهلة عقوداً من الإهمال المتعمد الذي أصاب البحيرات والمجاري المائية، ما يعكس توجهاً لتحويل المتنزه العام إلى منشأة خرسانية مغلقة تُقصي البسطاء.
​
​

جرافات مجهولة تهدد الآثار التاريخية
​
​
وبناءً على المعاينة الميدانية، يؤكد أستاذ الآثار الكلاسيكية أن استخدام الحفارات الثقيلة فوق طبقات رسوبية رخوة يهدد البنية الإنشائية لأسوار الإسكندرية القديمة، ويحدث اهتزازات مدمرة في محيط طابية النحاسين المجاورة لمواقع المجسات الأرضية.
​
​
فضلًا عن ذلك، تتقاطع المعدات الميكانيكية مع موقع البعثة الأثرية اليونانية المستمرة في استخراج شواهد عمرانية تاريخية، ما يضع لقى نادرة تحت مخاطر السحق والاندثار المباشر دون أدنى التزام بالمعايير العلمية المعتمدة دولياً.
​
​
في سياق متصل، يشهد المحيط الجغرافي للحديقة تجريفاً لطبقات التربة السطحية دون حضور مفتشين متخصصين من قطاع الآثار المسؤول مباشرة عن حماية الطابية ومكوناتها الدفاعية التاريخية من التشويه الإنشائي والأضرار الميكانيكية الارتدادية.
​
​
علاوة على ذلك، تعزز السرية المضروبة حول المشروع غياب دراسات الأثر التراثي، ما يخالف نصوص قانون حماية الآثار الذي يلزم بالوقف الفوري لأي أعمال ميكانيكية تجاور الكتل التراثية والأسوار الدفاعية القديمة المسجلة رسمياً.
​
​
من جانب آخر، تمثل هذه الإجراءات فرضاً للأمر الواقع الإنشائي، حيث يجري استبدال التدقيق الأكاديمي بالسرعة التنفيذية، الأمر الذي يهدد بطمس بقايا التحصينات القديمة لعاصمة البطالمة وتشويه التدرج الطبوغرافي الطبيعي المميز لتلك المنطقة.
​
​

إبادة الغطاء النباتي والأشجار النادرة
​
​
وعلى الصعيد البيئي، يوضح باحث في تصنيف الفلورا أن شجرة «أم الشعور» تواجه خطراً وجودياً، إثر محاصرة الآليات الثقيلة لجذورها الهوائية والسطحية، ما يهدد بقطع شرايين تغذيتها المستقرة والممتدة في التربة منذ عقود طويلة.
​
​
بالتوازي مع ذلك، تشهد الحديقة تصفية لفصائل شجرية معمرة ونادرة، حيث تسببت عمليات القطع الجائر والتشويه العشوائي للأغصان في تحويل مساحات ظليلة شاسعة إلى بؤر جرداء تمهيداً لعمليات رصف وبناء خرسانية طارئة.
​
​
في غضون ذلك، يفاقم جفاف البحيرات الصناعية والشلالات التاريخية تدهور التوازن البيئي الداخلي، بعدما تحولت الأحواض المائية العريقة إلى مرادم لنواتج الحفر العشوائي بدلاً من إعادة ترميم شبكاتها المعمارية ودورتها الهيدروليكية الأصلية.
​
​
تبعاً لذلك، تفقد الإسكندرية رئة طبيعية تمتص الانبعاثات الكربونية في قلب المدينة، إذ تؤدي إزالة الأشجار المعمرة إلى رفع درجات الحرارة وتدمير موائل آلاف الطيور المستوطنة التي اعتادت التعشيش في تلك الأغصان العتيقة.
​
​
فضلاً عما سبق، يعكس طمر التربة الزراعية بمخلفات الردم تشويهاً لنسق الحديقة الإنجليزية الحرة، حيث يجري استبدال المسطحات الترابية الطبيعية بممرات خرسانية ومقاولات إسمنتية تقضي نهائياً على التنوع الحيوي والمظهر الجمالي الأصيل.
​
​
نتيجة لذلك، يواجه السكندريون نمطاً مكرراً لمشاريع تجريف الأشجار والغطاء النباتي، في استنساخ لما أصاب حدائق المنتزه وأنطونيادس، حيث حلت المنشآت الاستثمارية المصمتة مكان المسطحات الخضراء المفتوحة تاريخياً لجموع المواطنين دون قيود.
​
​

تسليع المجال العام وإقصاء البسطاء
​
​
وفي هذا الإطار، يحدد خبير التخطيط العمراني خطورة الإجراءات في تحويل الفضاء العام المجاني إلى استثمار تجاري هادف للربح، عبر مخططات تمهد لفرض رسوم دخول تعزل الفئات الشعبية عن متنفسها التاريخي الوحيد.
​
​
من زاوية أخرى، صودرت وظيفة الحديقة كفضاء شعبي للأفراح وجلسات تصوير العروسين، بعدما ارتفعت تكاليف التصوير في الحدائق الأخرى لتتجاوز ألف جنيه، في وقت يجري فيه تحويل المساحات المفتوحة إلى مطاعم استثمارية مغلقة.
​
​
في المقابل، يجري تغييب أركان القراءة ومساحات ألعاب الأطفال المجانية، لصالح منطق الجباية الذي تكرسه سياسات قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، القائمة على تسليع الأصول التراثية وإعادة تدوير الفضاءات العامة في صفقات استثمارية نفعية.
​
​
بناءً عليه، يواجه المجتمع السكندري مصادرة منظمة لحقه في الفضاء العام، حيث تتحول مشاريع التطوير المزعومة إلى وسيلة لضرب العدالة المكانية وحرمان الأسر الكادحة من متنفس بيئي واجتماعي ظل متاحاً لهم لعشرات السنين.

والجدير بالذكر أن التجاهل الرسمي لتحذيرات المتخصصين يكرس سياسة التعتيم الشامل، حيث تغيب اللوحات التوضيحية التي تحدد هوية المقاول والجهة الاستشارية المشرفة وموعد التسليم المحدد خلال شهري أكتوبر أو نوفمبر من العام الجاري.
​
​
وفي الختام تتأرجح حدائق الشلالات بين مقصلة التجريف العشوائي وآليات الخصخصة الإقصائية، لتبقى معركتها الراهنة صراعاً فاصلاً لحماية رئة الإسكندرية وذاكرتها التراثية من تغول الإسمنت وتفكيك مقدرات المجال العام ومكتسباته الشعبية.