يتباهى محافظ البنك المركزي المصري بارتفاع سعر صرف الدولار، معتبراً صعود العملة الأجنبية دليلاً على مرونة السياسة النقدية المتبعة خلال شهر أكتوبر الجاري ليرسخ واقعاً مريراً يكتوي بناره الملايين.
وتتجاهل هذه التصريحات الصادمة معاناة المصريين اليومية، حيث تلتهم موجات الغلاء المتلاحقة مدخراتهم وتدفع بهم نحو حافة الفقر المدقع نتيجة قرارات اقتصادية تفتقر لأدنى معايير الحماية الاجتماعية.
الاحتفاء الرسمي بتهاوي العملة المحلية
وبالتوازي مع هذا الطرح الرسمي، تروج الدوائر الحكومية لتراجع الجنيه باعتباره خطوة إصلاحية تضمن تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى شرايين الاقتصاد المتعثر وتنهي أزمات التمويل المزمنة.
وعلى النقيض من تلك المزاعم، تتبدد القوة الشرائية للرواتب والأجور بصورة غير مسبوقة، مما يحول حياة الأسر المصرية إلى كفاح مستمر لتأمين الاحتياجات الأساسية من الغذاء والدواء.
وفي هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الحافظ الصاوي أن ترحيب البنك المركزي بهبوط الجنيه يعكس انحيازاً كاملاً لشروط الدائنين الدوليين على حساب استقرار الأسواق المحلية.
وعلاوة على ذلك، يوضح الدكتور عبد الحافظ الصاوي أن ترك العملة الوطنية تتهاوى دون غطاء إنتاجي حقيقي يدمر ما تبقى من الطبقة المتوسطة ويجردها من كافة أدوات الصمود.
ومن ناحية أخرى، تقتصر المكاسب المزعومة من تحريك سعر الصرف على جذب الأموال الساخنة، وهي تدفقات مالية مضاربة تهرب فور حدوث أي هزة اقتصادية إقليمية أو عالمية.
فضلاً عن ذلك، تتحمل الموازنة العامة للدولة أعباءً إضافية ضخمة جراء فروق العملة، حيث تتضخم قيمة فوائد وأقساط الديون الخارجية المقومة بالدولار لتستنزف جل الإيرادات الضريبية.
وبناءً عليه، تتحول فرحة مسؤولي السياسة النقدية بارتفاع الدولار إلى كابوس مالي، إذ تلتهم خدمة الدين المخصصات الموجهة لقطاعات التعليم والصحة وتطوير البنية التحتية المتهالكة.
وإلى جانب ذلك، يعجز المصنعون المحليون عن تدبير التكلفة الباهظة لاستيراد المواد الخام ومستلزمات الإنتاج، مما يهدد بإغلاق مئات المصانع وتشريد آلاف العمال في مختلف المحافظات.
ونتيجة لذلك، تتفاقم حالة الركود التضخمي داخل الأسواق المصرية، حيث يجتمع الغلاء الفاحش مع تراجع حركة البيع والشراء في مشهد اقتصادي ينذر بعواقب وخيمة للغاية.
مغامرات الاستدانة وتبديد ثروات البلاد
وفي سياق متصل، تستمر السياسات المالية التي فرضها قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي في الاعتماد الكلي على القروض الخارجية لتمويل مشروعات تفتقر إلى دراسات الجدوى الاقتصادية.
وبالإضافة إلى ما سبق، تتراكم الالتزامات المالية قصيرة ومتوسطة الأجل منذ شهر سبتمبر الماضي، مما يضع البلاد في دائرة مفرغة من الاقتراض الجديد لسداد الديون القديمة.
وحول هذه الأزمة، يشدد أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية الدكتور محمود وهبة على أن تهاوي الجنيه يمثل نتيجة حتمية لعسكرة الاقتصاد وإقصاء القطاع الخاص عن المنافسة الحرة.
كما يبين الدكتور محمود وهبة أن احتفاء البنك المركزي بصعود الدولار يخفي وراءه عجزاً هيكلياً في الميزان التجاري، وفشلاً ذريعاً في بناء قاعدة صناعية وزراعية مستقلة.
ومن جهة أخرى، يؤدي التوسع في إصدار السندات الدولية ذات العائد المرتفع إلى رهن الأصول السيادية والشركات الرابحة، والتي يجري التفريط فيها بأثمان بخسة لتوفير السيولة الدولارية.
وبالإضافة إلى ذلك، تتقلص قدرة الدولة على المناورة الاقتصادية أمام المؤسسات المانحة، التي تفرض إملاءات قاسية تشمل رفع الدعم نهائياً عن الوقود والكهرباء والسلع التموينية الأساسية.
وتأسيساً على ذلك، يدفع المواطن البسيط وحده فاتورة هذه الخيارات الخاطئة، بينما تتمتع النخبة الحاكمة بامتيازات مالية واسعة تقيها شرور التضخم وتقلبات أسعار الصرف الحادة.
وفي غضون ذلك، تشهد تحويلات المصريين العاملين بالخارج تذبذباً واضحاً نتيجة فقدان الثقة في المنظومة المصرفية، وتخوفهم من قرارات مفاجئة تقيد حرية السحب والإيداع بالعملات الأجنبية.
ولهذا السبب، تفشل الإجراءات النقدية المسكنة في تحقيق أي استقرار مستدام، لتبقى العملة المحلية رهينة للمضاربات وضغوط سداد الفواتير الاستيرادية المتراكمة في الموانئ منذ شهر أغسطس.
الانفجار المعيشي وتآكل الأمان الاجتماعي
ومن زاوية أخرى، تنعكس تداعيات قفزات الدولار بشكل فوري على أسعار السلع الغذائية، حيث تقفز تكلفة رغيف الخبز والزيوت والألبان بمعدلات تفوق قدرة الأسر على الاحتمال.
وبالتزامن مع تلك الارتفاعات، تشهد أسعار الأدوية والمستلزمات الطبية زيادات جنونية، مما يحرم آلاف المرضى من الحصول على العلاج الضروري ويهدد حياتهم بخطر الموت المحقق.
وفي هذا الصدد، يوضح الباحث في الاقتصاد السياسي الدكتور مصطفى شاهين أن السياسات النقدية الراهنة تهدف فقط إلى جمع الجباية وتقليص الإنفاق العام دون مراعاة للأبعاد الإنسانية.
وبالمثل، يشير الدكتور مصطفى شاهين إلى أن الترويج لمرونة سعر الصرف كإنجاز اقتصادي يتجاهل حقيقة أن مصر دولة مستوردة للغذاء، وأن خفض العملة يعني استيراد التضخم.
فضلاً عن هذا، تتآكل القيمة الحقيقية للمعاشات والتأمينات الاجتماعية، ليجد كبار السن أنفسهم عاجزين عن تلبية أبسط متطلبات الحياة الكريمة بعد سنوات طويلة من الخدمة.
وعقب هذه التطورات، تتسع رقعة البطالة المقنعة والسافرة بين خريجي الجامعات، الذين يصطدمون بسوق عمل مشلول يدفعهم للهجرة غير الشرعية هرباً من انسداد الأفق الاقتصادي.
ومع ذلك، يصر صناع القرار المالي على تسويق الأوهام عبر وسائل الإعلام، متحدثين عن مؤشرات نمو دفترية لا يلمسها المواطن الذي يئن تحت وطأة الغلاء الفاحش.
وبناءً على تلك المعطيات، تتجه الأوضاع المعيشية نحو مزيد من التأزم خلال شهر نوفمبر المقبل، وسط غياب تام لأي رؤية اقتصادية بديلة تنقذ البلاد من الانهيار.
وخلاصة القول، فإن سعادة محافظ البنك المركزي بصعود الدولار تبرهن على انفصال تام عن الواقع، وتؤكد أن بقاء هذه السياسات يعني استمرار النزيف الاقتصادي بلا توقف.

