تهاوت مؤشرات السوق المالية المصرية بشكل دراماتيكي منذ مطلع شهر أكتوبر، مدفوعة بعجز هيكلي في تدفقات النقد الأجنبي وغياب الرؤية الاقتصادية القادرة على انتشال البلاد من مستنقع الديون المتراكمة والركود التضخمي الخانق.

 

​وتتصاعد وتيرة الهروب الجماعي لرؤوس الأموال الأجنبية والمحلية، تزامناً مع استمرار السياسات النقدية والمالية المرتبكة التي فرضها قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، مما فاقم الشلل التام في القطاعات الإنتاجية والتجارية كافة.

 

 

​نزيف حاد يضرب مؤشرات البورصة المصرية

 

​علاوة على ذلك، سجلت جلسات التداول الأخيرة خسائر فادحة في رأس المال السوقي، حيث تبخرت مليارات الجنيهات خلال أيام معدودة، وسط حالة من الذعر الجماعي التي سيطرت على صغار المتعاملين والمؤسسات المالية.

 

​إضافة إلى ذلك، تحولت شاشات التداول إلى اللون الأحمر القاتم نتيجة عمليات البيع العشوائية، التي جاءت كرد فعل طبيعي على تدهور مؤشرات الاقتصاد الكلي وغياب المحفزات الحقيقية الداعمة للشركات المقيدة بالبورصة.

 

​وفي السياق ذاته، يؤكد الدكتور هاني توفيق، الخبير الاقتصادي ورئيس الجمعية المصرية للاستثمار المباشر سابقاً، أن البورصة تعاني تشوهات عميقة نتيجة غياب الطروحات القوية واستمرار المزاحمة الحكومية للقطاع الخاص في مختلف الأنشطة.

 

​ومن ناحية أخرى، تسببت الضرائب المتلاحقة والرسوم الجزافية المفروضة على المعاملات المالية في خنق السيولة النقدية داخل السوق، مما دفع شريحة واسعة من المستثمرين الأفراد إلى تصفية محافظهم المالية والخروج النهائي.

 

​فضلاً عن ذلك، تراجعت أحجام التداول الحقيقية مقومة بالعملات الأجنبية إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة منذ شهر سبتمبر، مما يعكس فقدان الأسهم المصرية لجاذبيتها الاستثمارية أمام الصناديق الإقليمية والدولية الكبرى.

 

​وبناءً على ذلك، فشلت كافة المسكنات الحكومية المؤقتة في وقف نزيف الأسعار، بعد أن أدرك المتعاملون أن الأزمة تتجاوز مجرد تصحيح سعري عابر لتصل إلى خلل جذري في بنية الاقتصاد المأزوم.

 

​كما أن غياب الشفافية وتضارب البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات التنظيمية، ساهما بشكل مباشر في تعميق فجوة الثقة بين مجتمع الأعمال والإدارة الاقتصادية الحالية التي تدير الملف المالي بعقلية الجباية.

 

​نتيجة لذلك، أصبحت الأسهم القيادية عاجزة عن الصمود أمام موجات الهبوط المتتالية، لتتحول سوق الأوراق المالية من أداة لتمويل النمو الاقتصادي إلى مرآة تعكس حجم الانهيار المالي الذي يعصف بالبلاد.

 

​ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتدت الخسائر لتشمل قطاعات حيوية كالعقارات والبنوك والخدمات المالية، وسط توقعات قاتمة باستمرار هذا النفق المظلم خلال شهر نوفمبر المقبل دون وجود طوق نجاة.

 

 

​قفزات جنونية في أسعار الصرف الأجنبي

 

​وعلى صعيد متصل، يواصل الجنيه المصري رحلة سقوطه الحر أمام العملة الأمريكية، مسجلاً مستويات قياسية جديدة من التدهور التي أطاحت بالقوة الشرائية للمواطنين، وأربكت كافة الحسابات المالية للشركات والمصانع المحلية.

 

​وبالإضافة إلى ما سبق، أدى الشح الشديد في السيولة الدولارية داخل القطاع المصرفي الرسمي إلى انتعاش غير مسبوق للسوق الموازية، التي باتت تتحكم فعلياً في تسعير كافة السلع الأساسية والاستراتيجية بالأسواق.

 

​وفي هذا الإطار، يوضح الدكتور أحمد خزيم، المستشار الاقتصادي والخبير في الاقتصاد السياسي، أن أزمة العملة الحالية هي نتاج مباشر لسياسات الاقتراض المفرط وتوجيه القروض نحو مشروعات غير إنتاجية تفتقر للجدوى الاقتصادية.

 

​علاوة على ما تقدم، تستنزف التزامات سداد فوائد وأقساط الديون الخارجية المستحقة خلال شهر أكتوبر وشهر نوفمبر القادم الجزء الأكبر من عوائد البلاد الدولارية، مما يترك الخزانة العامة خاوية تماماً.

 

​ومن جهة أخرى، تسببت القيود المشددة على الاستيراد وتراكم البضائع في الموانئ في خلق موجة غلاء طاحنة، حيث يقوم التجار بتسعير منتجاتهم وفقاً لأسعار صرف تحوطية تفوق الأسعار المعلنة بالبنوك.

 

​إلى جانب ذلك، فشل البنك المركزي في كبح جماح التضخم المتصاعد رغم الرفع المتكرر لأسعار الفائدة، نظراً لأن التضخم الحالي ناتج عن انهيار قيمة العملة وارتفاع تكاليف الإنتاج وليس فائض الطلب.

 

​وترتيباً على ذلك، تآكلت المدخرات المحلية للمودعين بشكل كارثي، مما دفع الأفراد والمؤسسات إلى التكالب على شراء الذهب والعملات الأجنبية كملاذات آمنة للحفاظ على القيمة المتبقية من ثرواتهم وممتلكاتهم.

 

​كذلك، تراجعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج عبر القنوات الرسمية بشكل ملحوظ منذ شهر أغسطس، نتيجة اتساع الفجوة السعرية بين الصرف الرسمي والموازي، وفقدان الثقة في استقرار المنظومة المصرفية المحلية.

 

​وبالتالي، بات الاقتصاد المصري يدور في حلقة مفرغة من الخفض المستمر لقيمة العملة وارتفاع التضخم، وسط عجز حكومي تام عن ابتكار حلول جذرية تعتمد على التشغيل والتصدير بدلاً من الاستدانة.

 

 

​هروب جماعي للمستثمرين وتفكيك القاعدة الإنتاجية

 

​وفي سياق موازٍ، تشهد البيئة الاستثمارية في مصر حركة نزوح جماعي للشركات الأجنبية والمحلية نحو أسواق إقليمية مجاورة، هرباً من المناخ الاقتصادي الطارد والتعقيدات البيروقراطية التي تقوض فرص النجاح والنمو.

 

​كما أن التوسع غير المحدود للجهات السيادية في كافة القطاعات الاقتصادية أجهض مبدأ الحياد التنافسي، مما جعل المستثمر الخاص يقف عاجزاً أمام كيانات تتمتع بإعفاءات ضريبية وجمركية وامتيازات حصرية واسعة.

 

​وفي هذا الصدد، يبين الدكتور زهدي الشامي، الخبير الاقتصادي والباحث في السياسات المالية، أن غياب سيادة القانون وتغيير القواعد المنظمة للاستثمار بشكل مفاجئ يدفعان رؤوس الأموال للفرار الفوري بحثاً عن الأمان.

 

​فضلاً عن ذلك، تعاني المصانع القائمة من أزمة طاحنة في توفير المواد الخام ومستلزمات الإنتاج المستوردة، الأمر الذي أجبر مئات المنشآت الصناعية على تقليص طاقتها الإنتاجية أو الإغلاق الكلي وتسريح العمالة.

 

​ومن زاوية أخرى، أدى الارتفاع المتواصل في أسعار الطاقة والكهرباء والغاز الصناعي خلال شهر أكتوبر إلى مضاعفة أعباء التشغيل، مما أفقد المنتجات المصرية قدرتها التنافسية في الأسواق الخارجية والمحلية.

 

​إضافة إلى ذلك، تحولت الأموال الساخنة التي راهنت عليها الحكومة طويلاً إلى عبء ثقيل، حيث خرجت مليارات الدولارات بسرعة فائقة مع أول هزة اقتصادية، تاركة خلفها فجوة تمويلية يستحيل سدها.

 

​وعلاوة على ذلك، تراجعت معدلات الاستثمار الأجنبي المباشر في القطاعات الإنتاجية الحقيقية، لتقتصر التدفقات المالية الحالية على صفقات استحواذ استثنائية لبيع أصول الدولة وشركاتها الرابحة بأسعار بخسة لسد عجز الموازنة.

 

​ونتيجة لهذه السياسات، فقد الاقتصاد المصري قدرته على توليد فرص عمل جديدة للشباب، مما ينذر بانفجار اجتماعي وشيك في ظل ارتفاع معدلات البطالة وتلاشي الطبقة الوسطى واتساع رقعة الفقر المدقع.

 

​وأخيراً، يؤكد استمرار هذا النهج الاقتصادي الذي يرسخه قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي أن البلاد تتجه نحو مزيد من الإفلاس والتبعية المالية، ما لم تتوقف سياسات الجباية والهيمنة على مفاصل السوق.