تنتفض نقابة الأطباء في وجه سياسات التوسع الأكاديمي غير المدروسة، مطالبة بوقف قبول دفعات جديدة داخل المنشآت التي تفتقر لمستشفيات جامعية، بعدما تحولت قاعات التدريس إلى كيانات تعجز عن تقديم تدريب إكلينيكي حقيقي للطلاب.
وتصطدم قرارات الجمعية العمومية الأخيرة في دار الحكمة مع خطط منح التراخيص الحكومية المتسارعة، لتضع المنظومة الطبية أمام مأزق تخريج أجيال تفتقر للخبرة الحية، وسط تجاهل مستمر للأولويات الأساسية التي تضمن سلامة المرضى.
تفريخ الأطباء يهدد جودة الرعاية
وبالتزامن مع هذا المأزق، يتمسك الأطباء بضرورة تعطيل التحاق دفعات مستحدثة بأي مؤسسة أكاديمية تخالف نصوص القرار الجمهوري المنظم لتأسيسها، والذي يلزمها بتشييد مستشفى تعليمي ميداني متكامل قبل استيعاب الطلاب.
وبناءً على تلك الوقائع، يؤكد أستاذ جراحة الأورام بالمعهد القومي للأورام بجامعة القاهرة الدكتور مدحت خفاجي أن ضخ آلاف الخريجين سنوياً بلا ممارسة سريرية مباشرة يحول العملية التعليمية إلى مجرد تجارة شهادات خاوية.
ومن هذا المنطلق، يوضح خفاجي أن الطب مهنة حية تكتسب بالممارسة بجوار سرير المريض، معتبراً أن توقيع بروتوكولات صورية مع مستشفيات وزارة الصحة لا يعوض غياب الأقسام الجامعية المتخصصة في التدريب.
واستناداً إلى واقع المستشفيات الحكومية، تعاني مقرات التدريس الحالية من تكدس غير مسبوق في أروقة العنابر وغرف العمليات، ما يحرم الطبيب المتدرب من الإشراف المباشر وفحص الحالات المعقدة تحت رقابة الأساتذة المختصين.
وفي سياق متصل، يشهد نظام التدريب الإجباري ضغوطاً خانقة تؤدي لتراجع مهارات الممارس العام، بينما تتجه الجهات المسؤولة لافتتاح فروع جديدة دون توفير ميزانيات تشغيلية للمنشآت الصحية الداعمة لتلك البرامج المستحدثة.
وبموازاة ذلك التداعي، تنعكس أزمة غياب البنية التحتية مباشرة على صحة المواطن الذي يتحول إلى حقل تجارب لكوادر لم تتلق ساعات الملاحظة السريرية المقررة عالمياً، جراء التسرع في منح التراخيص دون رقابة.
وإزاء هذا الواقع، تصر الجمعية العمومية على عدم تسجيل أي خريج ينتمي لتلك الصروح الناقصة، واضعة إدارات الجامعات الاستثمارية في مواجهة حتمية مع التزاماتها القانونية المهدرة منذ سنوات صدور قرارات التأسيس.
علاوة على ذلك، تتعارض السياسات الراهنة التي يقودها قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي عبر التوسع العشوائي في الجامعات الأهلية مع المعايير المهنية الصارمة، إذ يغلب عليها الطابع الجبائي على حساب الجودة التعليمية.
وفي ضوء هذه المعطيات، تشدد النقابة على ضرورة تقليص أعداد المقبولين عموماً، ليتناسب المعروض مع الطاقة الاستيعابية الحقيقية لمراكز التدريب التابعة للمجلس الأعلى للمستشفيات، تفادياً للانهيار الكامل في مستوى خريجي الطب.
شهادات جامعية تسقط في الاختبار
وعلى صعيد البرامج التدريبية المتقدمة، تعاني برامج الامتياز والزمالة المصرية والدراسات العليا من تكدس غير مسبوق، نتيجة التدفق الهائل للدفاتر الورقية التي لا تسندها كفاءة سريرية تمكن الأطباء من اجتياز الاختبارات التخصصية.
وبناءً على هذه البيئة المتعثرة، يشير استشاري طب الطوارئ وعضو هيئة التدريس بجامعة عين شمس الدكتور أحمد رشوان إلى أن تدريب الامتياز بات شكلياً داخل معظم المنشآت بسبب غياب الأجهزة ونقص غرف الرعاية.
وارتباطاً بهذا التحليل، يوضح رشوان أن سنوات النيابة أصبحت تشهد منافسة غير عادلة على فرص التخصص، حيث تمنح الشهادات لمن يدفع الرسوم دون التأكد من اكتساب الحد الأدنى من البروتوكولات الطبية المنقذة للحياة.
ومن جراء هذه الإخفاقات الهيكلية، تجد الكوادر الشابة نفسها معزولة عن التطور الطبي العالمي، ما يضع الشهادة المصرية موضع تساؤل متصاعد لدى جهات الاعتماد الدولية التي بدأت تشترط معايير ميدانية صارمة للمعادلة.
ومتابعة لتفاصيل هذا التراجع، تتزايد الشكاوى من تهميش الأطباء المقيمين داخل أقسام الجراحة العامة، حيث يقتصر دورهم على تدوين الملاحظات الروتينية دون ممارسة التدخلات الأساسية نتيجة انعدام التوجيه الأكاديمي المباشر والمستمر.
وفي مسار متصل، أدى حرمان الخريجين الجدد من الاحتكاك المباشر بالحالات الطارئة إلى إضعاف القدرة التشخيصية السريعة، وهو ما يهدد بتكرار الأخطاء الطبية داخل أقسام الاستقبال بالمستشفيات العامة والمركزية بمختلف المحافظات.
وتأكيداً على خطورة الأوضاع، ترفع النقابة مطالبها بفرض رقابة حاسمة على برامج الزمالة، لمنع استخدام المتدربين كعمالة رخيصة لسد العجز في المستشفيات الحكومية بدلاً من تأهيلهم وفق أسس تدريبية معترف بها علمياً.
وفضلاً عن هذا الاستنزاف، تتجاهل الوزارة ربط الزيادات السنوية في القبول باحتياجات التوزيع الجغرافي وسوق العمل الفعلي، لتنتج بطالة مقنعة وسط تدهور غير مسبوق في شروط العمل ومستويات الأجور والحوافز المالية للأطباء.
وعلى هذا الأساس، يظل رهن التوسع المستقبلي في المقبولين بمدى جاهزية أقسام الدراسات العليا هو طوق النجاة الوحيد، لوقف الانحدار الذي يهدد سمعة الطب المصري التي تأسست عبر عقود من العطاء المتواصل.
حصار المضاربات يطوق كليات المستقبل
وفي إطار تحصين جداول العضوية، أقرت الجمعية العمومية إلزام المتقدمين للقيد اعتباراً من العام المقبل بتقديم شهادة الثانوية العامة أو ما يعادلها رسمياً، لغلق الأبواب الخلفية أمام الشهادات مجهولة المصدر والمشكوك فيها.
وبموجب هذه التحركات، تحركت النقابة لصياغة مشروع تعديل تشريعي يُخضع فروع الجامعات الدولية للمعايير والحدود الدنيا المطبقة في الجامعات الحكومية والأهلية والخاصة، منعاً للالتفاف على التنسيق عبر دفع المبالغ الطائلة بالعملات الأجنبية.
وبحسب خبير إدارة النظم الصحية ووكيل وزارة الصحة الأسبق الدكتور مصطفى جاويش، فإن التوسع في الفروع الدولية بدون رقابة تشريعية صارمة يكرس الطبقية الفجة، ويمنح الأثرياء مقاعد لا يستحقونها وفق الكفاءة والتحصيل العلمي.
وللحد من استنزاف المقاعد المجانية، طالبت النقابة قصر نسبة الطلاب الوافدين بالجامعات الحكومية عند حاجز 5% فقط وتوجيه البقية نحو التعليم الخاص، مع وضع معايير عادلة لاحتساب شهادات IG وAmerican Diploma وSTEM.
ونتيجة لتلك الضوابط المنتظرة، يرى جاويش أن تسليع التعليم الطبي يضر بسمعة الدولة، محذراً من تحويل كليات الطب الحكومية إلى مراكز لجلب العملة الصعبة على حساب حرمان المتفوقين من أبناء الشعب من حقهم الدستوري.
واتصالاً بإدارة الموارد الذاتية، اعتمدت الجمعية العمومية ميزانياتها المالية للأعوام من 2022 حتى 2025 لضبط الإنفاق النقابي، بجانب إقرار الموازنة التقديرية لعام 2026 لتأمين الدفاع القانوني والتنظيمي عن المهنة ومكتسباتها.
وبالنظر إلى المشهد الإعلامي المضطرب، وضعت النقابة أطراً صارمة تحكم ظهور الأطباء في وسائل الإعلام ومنصات التواصل، لوقف فوضى الإعلانات المضللة والترويج لعمليات وهمية تتاجر بآلام المرضى دون وازع أخلاقي.
وإضافة إلى هذه المسارات الحمائية، تبعث القرارات برسالة تحذيرية للحكومة تؤكد أن النقابة لن تتردد في استخدام صلاحياتها المهنية لردع الاستثمار الطبي غير المنضبط، وحماية أرواح المواطنين من أخطار الممارسين غير المؤهلين.
وأخيرا تظل معركة الحفاظ على معايير الطب قائمة، حيث يقف الأطباء سداً منيعاً أمام سياسات التوسع الهادف للربح السريع، دفاعاً عن مستقبل الخدمة الصحية وكرامة المعطف الأبيض في مصر.

