حوّلت تجارة التريند الاستعراض والمشاحنات المصطنعة إلى أبواب للشهرة والربح، وسط مشهد يضع سياسات الحكم العسكري أمام سؤال ثقيل: ماذا قدمت للشباب حتى يصبح التعليم والعمل أكثر إغراءً من الضجيج؟
​
​
وفي المقابل، تصاعدت دعوات مواجهة المحتوى المسيء، لكن اختزال الأزمة في ملابس غريبة أو حفلات صاخبة يمنح الحكومة مخرجًا مريحًا، ويترك مسؤوليتها عن التعليم والثقافة وصناعة الفرص خارج الحساب.

 

 

إعلام يضخم التفاهة ويهمش المعرفة
​
​
فمن شواطئ الساحل الشمالي إلى حفلات صناع المحتوى، تتكرر وصفات جذب الانتباه بالألفاظ الصادمة واستعراض الأموال، بينما تتحول ردود الفعل الغاضبة نفسها إلى وقود إضافي للمشاهدة والانتشار وتحقيق العائد.
​
​
وبينما ينشغل الجمهور بتفاصيل المشاجرات والملابس، تتراجع الأسئلة الأهم: من يمول هذا المحتوى؟ ومن يربح من ترويجه؟ ولماذا تعجز المؤسسات المسؤولة عن تقديم بدائل تستحق اهتمام الشباب وثقتهم؟
​
​
وفي هذا السياق، حمّل الدكتور محمود السماسيري، أستاذ الصحافة والإعلام بجامعة سوهاج، الإعلام مسؤولية تجاوز التغطية السطحية، ضمن تصريحات نشرتها صحيفة الوفد في 28 سبتمبر 2026، بشأن الظواهر المرتبطة بالتريند.

​
​
كما حذر السماسيري من أن الاكتفاء بالاستنكار قد يوسع شهرة أصحاب المحتوى المسيء، داعيًا إلى معالجة تشرح آليات الظاهرة وآثارها، بدل إعادة تدوير مشاهدها ومنحها مساحات مجانية إضافية.
​
​
وبذلك، تصبح مساءلة الأداء الإعلامي ضرورة، لأن الشاشة التي تعيد المشهد المثير عشرات المرات لا تستطيع التنصل من مساهمتها في تسويقه، مهما أحاطته بعبارات الغضب والحديث عن حماية المجتمع.
​
​
غير أن تحميل المنصات وحدها المسؤولية يعفي القائمين على السياسة الإعلامية من واجبهم، فالمنافسة على المشاهدات لا تبرر إخلاء المجال من المعرفة، ولا تحويل صاحب الضجيج إلى ضيف دائم.
​
​
كذلك، دعا السماسيري إلى إبراز الشباب المتميز في العلم والثقافة والابتكار، بما يعيد الاعتبار للإنجاز الحقيقي، ويمنع احتكار المشهد بواسطة شخصيات تستمد حضورها من الإثارة المتكررة والصدام المفتعل.
​
​
ومن هنا، فإن الحكومة مطالبة بإجابة تتجاوز المواعظ: أين المساحات المستمرة للباحثين والمبدعين؟ وأين البرامج التي تقدم المعرفة بصورة جذابة، بدل تركها محاصرة بين التلقين الرسمي وضعف الحضور؟
​
​
وفي المقابل، لا يصح اعتبار اختلاف الملابس أو طرق التعبير دليلًا كافيًا على الانهيار الأخلاقي؛ فالمحاسبة الجادة تتعلق بالإيذاء والإهانة والاستغلال، وإلا تحولت حماية المجتمع إلى مطاردة للاختلاف.
​
​
وبالتالي، فإن معركة الوعي تبدأ بمراجعة ما تكافئه المؤسسات نفسها، لأن تمجيد المظهر والنفوذ والمال، ثم مطالبة الشباب بالإيمان بالاجتهاد وحده، يصنع خطابًا متناقضًا يصعب الوثوق بوعوده أو احترامه.

 

 

ثراء استعراضي يهزم قيمة الاجتهاد
​
​
وعلى الجانب الآخر، تقدم مشاهد الإنفاق الاستعراضي صورة براقة للنجاح، تختصر الطريق في هاتف ومتابعين وضجة متواصلة، بينما تختفي خلف الشاشة تفاصيل العقود والتكاليف والمخاطر وحقيقة الإيرادات التي يجري التباهي بها.
​
​
وفي هذا الإطار، أوضح الخبير القانوني أحمد زكريا أن المحتوى القائم على الابتذال قد يصنع قدوات وهمية، ويغرس لدى الشباب تصورًا بأن الشهرة والثروة لا تحتاجان إلى جهد منتج.

​
​
كما شدد زكريا على أن المواجهة لا تستقيم بالتدخلات الأمنية والأحكام وحدها، مطالبًا بدور للمؤسسات الثقافية والتعليمية والدينية في بناء قدرة الأجيال الجديدة على التمييز وفهم ما تتلقاه.
​
​
ومن ثم، تصبح سياسات الحكومة جزءًا أصيلًا من المساءلة، فمطالبة الطالب باحترام المعرفة تستلزم تعليمًا يستحق ثقته، ومطالبة الخريج بالصبر تستلزم فرصًا عادلة، لا خطبًا تطالبه باحتمال انسداد الأفق.
​
​
وبينما تنشغل بعض حفلات التخرج باستضافة المؤثرين والفقرات الاستعراضية، يبرز سؤال الجامعة عن دورها الثقافي والتربوي، وعن قدرتها على جعل الاحتفال بالإنجاز امتدادًا للتعلم، دون مصادرة الفرح أو إهانة الطلاب.
​
​
كذلك، فإن تحويل الطالبات وحدهن إلى واجهة للاتهام يطمس مسؤولية منظمي الفعاليات والإدارات والرعاة، ويختزل أزمة مؤسسية في أجساد وملابس، بدل مراجعة المحتوى وضوابط التنظيم ومعايير اختيار المشاركين.
​
​
فضلًا عن ذلك، طالب زكريا بضوابط للإعلانات وتمويل المحتوى الرقمي، وهي نقطة تنقل النقاش من مطاردة الوجوه إلى مساءلة المصالح المالية التي تستفيد من انتشار الإساءة وتكرارها أمام الجمهور.
​
​
وعليه، فإن الحكومة التي ترفع شعار حماية القيم مطالبة بسياسة معلنة تجاه الإعلان الرقمي وحماية المستهلك، مع شفافية الإجراءات، حتى لا يتحول الشعار إلى غطاء لقرارات انتقائية يصعب فهم معاييرها.

وفي المحصلة، لا تستعيد قيمة الاجتهاد مكانتها بإهانة الباحثين عن الشهرة، وإنما بجعل العمل والتعليم طريقين قابلين للحياة؛ فالمجتمع يحتاج عدالة الفرص قبل أن يحتاج مزيدًا من الخطب الغاضبة.

 

 

قبضة العقاب لا تبني وعيًا
​
​
أما الاكتفاء بتوسيع دائرة العقاب، فيمنح السلطة استجابة سريعة قابلة للاستعراض، لكنه يترك السؤال الأصعب معلقًا: كيف تتغير البيئة التي تنتج المحتوى المسيء وتكافئه وتعيد تقديمه بأسماء ووجوه جديدة؟
​
​
وفي السياق ذاته، تناولت الخبيرة القانونية نهى الجندي عمومية بعض النصوص المرتبطة بالحياء والقيم الأسرية، معتبرة أن التعامل مع الممارسات الرقمية المستحدثة يحتاج صياغات أكثر تحديدًا ومواكبة لطبيعة هذه الممارسات.

​
​
كما رأت الجندي أن استعادة نموذج قانون العيب ليست الحل الأمثل، ودعت إلى تشريعات عصرية تواجه الإساءة المتعمدة، مع الحفاظ على حرية الإبداع، بدل استنساخ أدوات ارتبطت بمخاوف تقييد الحريات.
​
​
لكن أي حديث عن تشريعات جديدة يجب أن يبدأ بتحديد الضرر المقصود بدقة، لأن العبارات الفضفاضة قد تجعل ذوق المسؤول معيارًا للملاحقة، وتضع التعبير المختلف تحت تهديد دائم.
​
​
وبالمثل، فإن الغضب من مشهد مستفز لا يمنح الحكومة تفويضًا مفتوحًا للوصاية على المجتمع؛ فالفصل بين الاستياء الاجتماعي والتجريم ضرورة تمنع تحويل المزاج العام إلى أداة للعقاب وإسكات الأصوات.
​
​
وفي موازاة ذلك، تظل مسؤولية المنصات والمعلنين حاضرة، من خلال أدوات الإبلاغ وحماية القاصرين ووضوح المحتوى المدفوع، بدل تحميل الأسر وحدها عبء مواجهة سوق احترافية تتنافس على جذب الانتباه.
​
​
ومن ناحية أخرى، لا تستطيع المؤسسات التعليمية بناء الوعي بالتلقين وحده؛ فهي تحتاج تدريب الطلاب على فهم الإعلان والخوارزميات والتحقق من الادعاءات المالية، حتى يدركوا الفارق بين النجاح وصورته المصنوعة.
​
​
وبناءً عليه، فإن اختبار جدية الحكومة ليس عدد بيانات الغضب، وإنما قدرتها على دعم الثقافة والتعليم وإتاحة المجال العام، ومساءلة الممولين والمنظمين وفق معايير واضحة تسري على الجميع دون استثناء.
​
​
وأخيرًا، لا يحق لسلطة تكتفي بالموعظة والعقاب أن تتنصل من مسؤوليتها عن البدائل؛ فمواجهة تجارة التفاهة تبدأ حين يصبح العلم مجديًا والعمل كريمًا، وحين تخضع المؤسسات للمساءلة قبل مطالبة المجتمع بالصمت.