قد تقود الأخطاء الصغيرة أحيانًا إلى قرارات جيدة، وفقًا لما يطرحه الباحث كريستوفر دوير. فالتفكير النقدي السليم لا يقوم على الشك وحده ولا على الانفتاح المطلق، وإنما يحتاج إلى تحقيق توازن بين الاثنين، بحيث يظل الإنسان منفتحًا على الاحتمالات، مع الاحتفاظ بقدر كافٍ من التشكيك عندما تغيب الأدلة الموثوقة.



ونشرت سايكولوجي توداي مقال دوير، الذي يناقش فيه العلاقة بين التفكير النقدي والانفتاح الذهني والشك العلمي، مستعينًا بتجربة شخصية مرتبطة بشائعة انتشرت عبر الإنترنت بشأن اختفاء الجاذبية لمدة سبع ثوانٍ. ويرى الكاتب أن التفكير الجيد لا يتعلق دائمًا بمعرفة الإجابة الصحيحة، بقدر ما يتعلق باتخاذ القرار الأكثر عقلانية في ضوء المعلومات المتاحة والتكلفة المحتملة لكل خيار.


شائعة اختفاء الجاذبية تكشف حدود التفكير النقدي


يمثل الانفتاح الذهني أحد الجوانب المهمة في التفكير النقدي، لأن التفكير النقدي يتطلب النظر في وجهات نظر متعددة. لكن الشك يظل مهمًا أيضًا، خصوصًا عندما تفتقر إحدى وجهات النظر إلى الأدلة التي تدعمها. ويحدد سياق الموقف الطريقة التي ينبغي أن نتعامل بها مع هاتين السمتين.


قبل نحو عام، بدأ دوير يرى شائعات تنتشر عبر الإنترنت تزعم أن البشر سيفقدون الجاذبية لمدة سبع ثوانٍ عند الساعة 2:33 مساءً بتوقيت جرينتش في 12 أغسطس. وطرحت المنشورات المتداولة أسبابًا محتملة عديدة لهذه الظاهرة المزعومة، من بينها ثقب أسود أو كسوف أو تجارب علمية. لكن تكرار عبارة «وكالة ناسا تعرف بالأمر» في كثير من هذه التحذيرات جعل الادعاء يدخل أيضًا في نطاق نظريات المؤامرة.


يقول دوير إنه كان شديد الشك في صحة هذه المزاعم، ولذلك ضبط منبهًا قبل الموعد المحدد بأشهر. لم يفعل ذلك لأنه صدق الشائعة، وإنما لأنه أراد أن يكون حاضرًا لحظة انكشاف زيفها، وربما يضحك على الأمر عند الساعة 2:33 مساءً.


وكان الكاتب يدرك، اعتمادًا على ما تعلمه في دراسة الفيزياء، أن توقف الجاذبية بهذه الصورة أمر شبه مستحيل. فحركة القمر حول الأرض وتأثير الشمس في كوكبنا يجعلان اختفاء الجاذبية أمرًا يتطلب تغييرًا جذريًا في طبيعة الكوكب وكل ما يحتويه من كتلة.


لكن شيئًا غريبًا حدث قبل الموعد بدقيقة واحدة.

عند الساعة 2:32 مساءً، وجد دوير نفسه يفكر جديًا في جمع أفراد أسرته بالقرب من السلم، وطلب منهم الإمساك بالدرابزين لبضع لحظات تحسبًا لحدوث شيء غير متوقع.


«تحسبًا».. متى يصبح الحذر قرارًا عقلانيًا؟


لماذا يشتري الناس التأمين؟ «تحسبًا لحدوث شيء ما».


ومن هذا المنطلق، يرى دوير أن غياب الأدلة التي تؤيد توقعًا معينًا لا يعني بالضرورة تجاهل الاحتمال بصورة مطلقة، خصوصًا عندما تكون تكلفة الاحتياط منخفضة للغاية.


فكر الكاتب في سيناريو افتراضي لاختفاء الجاذبية، ليس لأنه يعتقد أنه سيحدث، وإنما باعتباره تمرينًا على الحذر. وبحسب هذا المنطق، ينبغي النظر إلى احتمال وقوع الحدث مقارنة بحجم العواقب المحتملة وتكلفة اتخاذ إجراء احترازي.


في حالته، لن يكلفه الأمر سوى دقيقة أو دقيقتين من حياته، وربما سيبدو سخيفًا أمام زوجته. أما أطفاله، فكانوا أصغر من أن يفهموا سبب تجمع الأسرة بهذه الطريقة. وفي المقابل، إذا تحقق الاحتمال المتناهي الصغر الذي لا يتجاوز 0.00000000001 بالمئة، فقد يساعدهم الاستعداد المسبق على تجنب إصابات خطيرة عندما تعود الجاذبية.


ومع اقتراب الموعد، تذكر دوير أحد أمثلته المفضلة التي يستخدمها عند تدريس علم المعرفة وطبيعة «الإثبات».


فنحن لا نستطيع إثبات أي شيء بصورة مطلقة، كما يقول. وحتى الجاذبية، التي تبدو حقيقة بديهية، تُوصف علميًا بأنها نظرية. وإذا أسقط شخص قلمًا من يده، فمن المتوقع أن يتسارع نحو الأرض بمعدل 9.81 متر لكل ثانية مربعة. ويمكن للإنسان أن يراهن بكل ما يملك على حدوث ذلك، لأن ما يصعد إلى الأعلى يعود إلى الأسفل.
 

لكن الملاحظة المتكررة لا تعني استحالة ظهور حدث مستقبلي غير متوقع. فقد يصطدم كويكب هائل بالأرض، على سبيل المثال، ويغير محور دورانها بطريقة تؤثر في الجاذبية. ولهذا تتعامل العلوم بحذر مع المعرفة؛ إذ لا يستطيع الإنسان رؤية المستقبل، كما لا يستطيع إثبات النظريات بصورة نهائية، وإنما يستطيع دحضها عندما تظهر أدلة تناقضها.


وهنا يطرح الكاتب سؤالًا أكثر تعقيدًا: ماذا لو احتوت بعض نظريات المؤامرة على أجزاء صحيحة، حتى لو كانت الأسباب التي تقدمها خاطئة؟


فحتى إذا كان ادعاء فقدان الجاذبية عند ذلك التوقيت خاطئًا، ماذا لو وقع في الموعد نفسه حادث كارثي آخر لم يتوقعه أحد؟ عندها، لن يصبح السؤال الأساسي هو سبب وقوع الحدث، وإنما النتيجة التي تترتب عليه.


الانفتاح الذهني والشك العلمي.. كيف نصل إلى قرار أفضل؟


يعترف دوير بأنه لا يعرف كل شيء، وأن العلم نفسه لا يعرف كل شيء، كما أن الجمهور لا يعرف كل شيء. وعند الساعة 2:32 من ذلك اليوم، دفعه الجزء المنفتح ذهنيًا إلى التفكير في احتمال فقدان الجاذبية لسبب لم يخطر على بال أي شخص على الأرض، وأن الشيء الوحيد الصحيح في الشائعة ربما يكون التاريخ والوقت.


لكن الجزء المتشكك داخله طرح اعتراضًا بسيطًا: من دون أدلة موثوقة، يمكن قول الشيء نفسه عن أي تاريخ أو أي وقت.


وكان دوير قد قال في المثال السابق إنه مستعد للمراهنة بمنزله على استمرار الجاذبية عند إسقاط القلم. ولم يتغير هذا الموقف في 12 أغسطس، إذ لم يرفع قيمة تأمين منزله بسبب الشائعة، كما أنه لم يكن ليفكر مرتين في الخروج إلى الهواء الطلق إذا كانت لديه وجهة يقصدها.


لكن وجوده في المنزل غيّر حساباته العملية.


عند الساعة 2:32، نهض من مكتبه واتجه إلى المطبخ ليكون مع أفراد أسرته بحجة «إعداد بعض القهوة». لم يفعل ذلك لأنه توقع حدوث شيء، فهو لم يصدق الشائعة، وإنما اتخذ خطوة احترازية بسيطة. وبالنسبة إليه، لا تستحق سلامة أسرته المخاطرة من أجل إثبات أنه متشكك أو متمسك بالعلم أو واثق في مصادر المعلومات.


فإذا كان ثمن الحذر دقيقة أو دقيقتين، فلا يرى الكاتب سببًا يدعو إلى تجاهله.


ويؤكد دوير اعتزازه بالعلم، لكنه يدرك في الوقت نفسه نقاط قوته وحدوده. ويرى أن سوء فهم طبيعة العلم ربما يفسر جانبًا من تزايد انعدام الثقة به خلال العقد الماضي.


ويشير إلى شكوى شائعة يسمعها من بعض المتدينين الذين يحاولون الدفاع عن معتقداتهم، ومفادها أن العلم يتعامل بغرور مع المعرفة ويفترض أنه يعرف كل شيء. لكن هذا التصور لا يعكس الطريقة التي يعمل بها العلم.


ويستشهد الكاتب بمزحة للكوميدي الإيرلندي دارا أو بريان، الذي أشار بصورة صحيحة إلى أنه لو كان العلماء يعرفون كل شيء، لتوقف العلم عن الوجود. فما الجدوى من مواصلة ممارسة العلم إذا كانت البشرية تعرف بالفعل كل شيء؟


ويرى دوير أن العلماء يدركون وجود فجوات هائلة في المعرفة ويحتفون بها، لأن هذه الفجوات تمنح البحث العلمي هدفه. وهنا تكمن جاذبية العلم: اكتشاف أشياء جديدة، والتعلم منها، وتطوير ما نعتقد أننا نعرفه بالفعل.


وقد يقود البحث الجديد أحيانًا إلى تغيير فهمنا السابق لموضوع معين. وعندما يثبت خطأ اعتقاد علمي، لا يعني ذلك بالضرورة فشل العلم، بل قد يعني أن المعرفة تطورت نتيجة اكتشافات جديدة.


ويخطئ الجميع أحيانًا، حتى أفضل المفكرين. وقد يتخذ الإنسان قرارًا اعتمادًا على حدسه وحده ثم يكتشف لاحقًا أنه ارتكب خطأ فادحًا. وفي مجال العلوم، قد تكشف الأبحاث الجديدة معلومات إضافية تجعل العلماء يعيدون النظر في بعض الاستنتاجات السابقة.
 

ويعتبر دوير أن الخطأ يمكن أن يصبح وسيلة للوصول إلى فهم أفضل. والمشكلة الحقيقية لا تكمن في الوقوع في الخطأ، وإنما في عدم التعلم منه.


وفي تجربته الشخصية، كان الخطأ الأكبر سيحدث لو قرر تغيير وثيقة التأمين الخاصة به بسبب نظرية المؤامرة المتعلقة بالجاذبية. لكن التفكير الجيد منعه من اتخاذ هذه الخطوة، لأنه لم يجد أي دليل موثوق يدعم احتمال وقوع الحدث.
 

لم يكن دوير مخطئًا في عدم تصديق الشائعة، لكنه ارتكب «خطأً» صغيرًا بدافع الحذر والانفتاح الذهني عندما منح الاحتمال دقيقة أو دقيقتين من وقته.


وفي المقابل، حصل على فنجان قهوة طازج.


وكان ذلك، بالنسبة إليه، خطأً سعيدًا ارتكبه «تحسبًا».


في النهاية، لا يتمحور التفكير الجيد حول معرفة من كان على صواب ومن كان على خطأ، وإنما حول اتخاذ قرارات جيدة قدر الإمكان. ويظل الحذر أحد العناصر الأساسية في عملية اتخاذ القرار السليم.
 

https://www.psychologytoday.com/us/blog/thoughts-on-thinking/202608/how-small-mistakes-might-sometimes-exhibit-good-thinking