حذر باحثون من أن الإفراط في مشاهدة التلفزيون خلال فترة الشباب بضعف الوظائف الإدراكية في وقت لاحق من الحياة.
وتابعت دراسة أجريت عام 2015، 3 آلاف و247 شخصًا تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عامًا لمدة 25 عامًا للتحقيق في آثار مشاهدة التلفزيون والنشاط البدني على الإدراك في منتصف العمر.
وأجرى الباحثون ثلاثة اختبارات معرفية للمشاركين، لتقييم سرعة المعالجة والوظائف التنفيذية والذاكرة اللفظية.
ووجدوا أن مشاهدة التلفزيون لأكثر من ثلاث ساعات يوميًا وانخفاض مستويات النشاط البدني في بداية مرحلة البلوغ يرتبطان بضعف الوظائف التنفيذية وسرعة المعالجة في منتصف العمر.
مع ذلك، فإن أداء مشاهدي التلفزيون لم يكن سيئًا في اختبارات الذاكرة اللفظية.
وكانت هذه من بين النتائج الأولى التي تشير إلى أن هذه السلوكيات يمكن أن تكون أهدافًا مهمة للوقاية من الشيخوخة المعرفية قبل منتصف العمر. لكن الباحثين حذروا من أن الدراسة لم تتمكن من إثبات أن مشاهدة التلفزيون أو الخمول البدني تسبب بالفعل في التدهور المعرفي.
الإصابة بالخرف
في دراسة أجريت عام 2023، وجد الباحثون أن الأشخاص الذين شاهدوا التلفزيون باعتدال- من ساعتين إلى ثلاث ساعات يوميًا- أو لفترة أطول- أكثر من ثلاث ساعات يوميًا- كانوا أكثر عرضة للإصابة بالخرف من أولئك الذين شاهدوا التلفزيون من صفر إلى ساعة واحدة يوميًا.
فيما أظهرت النتائج أن أولئك الذين أفرطوا في مشاهدة التلفزيون، وكان لديهم تاريخ عائلي للإصابة بالخرف كانوا أكثر عرضة للإصابة بالخرف بنسبة 42%، مقارنة بخطر أعلى بنسبة 30% بين أولئك الذين ليس لديهم تاريخ عائلي.
لكن هذه الدراسات تحذر من أن وجود ارتباط لا يعني بالضرورة أن التلفزيون يسبب الخرف- ومن المحتمل أن يكون الأشخاص في المراحل المبكرة من التدهور المعرفي أكثر عرضة لقضاء الوقت في مشاهدة التلفزيون.
يقلل من المادة الرمادية
ووجدوا الباحثون أن التحذير القائل بأن "التلفزيون سيفسد عقلك" قد يكون له أساس علمي بسيط، وذلك بعد أن شرعوا في تحديد ما إذا كانت مشاهدة التلفزيون على المدى الطويل في مرحلة البلوغ المبكرة إلى منتصف العمر مرتبطة بحجم المادة الرمادية في الدماغ خلال منتصف العمر.
والمادة الرمادية، وهي جزء رئيس من الجهاز العصبي المركزي الموجود في الدماغ والحبل الشوكي، تساعد في معالجة المعلومات والتحكم في الحركة وإدارة الحواس وتنظيم العواطف.
وعلى مدى 20 عامًا، قام الباحثون بتقييم عادات مشاهدة التلفزيون لدى 599 مشاركًا، وقاموا لاحقًا بقياس حجم القشرة الأمامية، والقشرة الأنفية الداخلية، ومنطقة الحصين، والمادة الرمادية الكلية.
وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين شاهدوا التلفزيون بكثرة كان لديهم حجم أقل من المادة الرمادية في القشرة الأمامية والقشرة الأنفية، بالإضافة إلى انخفاض إجمالي حجم المادة الرمادية.
وقال المؤلف المشارك رايان دوهرتي لمجلة جون هوبكنز: "إن الأفراد الذين شاهدوا، في المتوسط، حوالي ساعة ونصف إضافية من التلفزيون يوميًا مقارنة بأقرانهم طوال فترة منتصف إلى أواخر مرحلة البلوغ، انخفض حجم دماغهم بنسبة 0.5% تقريبًا".
وأضاف: "قد تبدو هذه النسبة ضئيلة، لكن الرأي العلمي السائد يقول إن الحفاظ على سلامة دماغنا يمكن أن يطيل الفترة الزمنية حتى نلاحظ التدهور المعرفي المرتبط بالعمر".
اضطراب النوم
تشير الأبحاث إلى أن التلفزيون قد يؤثر على النوم عن طريق تثبيط الميلاتونين وتأخير وقت النوم، وخاصة عند الشباب.
في دراسة تجريبية صغيرة، فحص الباحثون تأثير مشاهدة التلفزيون على إفراز هرموني الميلاتونين والكورتيزول، وهما هرمونان يُشاركان في دورة النوم والاستيقاظ في الجسم. ومن المعروف أن الميلاتونين، الذي يُعزز النوم، يتأثر سلبًا بالضوء الساطع، بما في ذلك الضوء المنبعث من شاشات التلفاز.
في دراسة صغيرة أخرى، اقتصرت مشاهدة التلفزيون على 30 دقيقة يوميًا لمدة أسبوع واحد لدى طلاب الجامعات وكبار السن. ولوحظ أن طلاب الجامعات يخلدون إلى النوم مبكرًا بشكل ملحوظ وينامون لفترات أطول بشكل ملحوظ خلال فترة الدراسة، بينما لم يكن لهذا التغيير أي تأثير على مدة النوم لدى كبار السن.
مع ذلك، يقول الباحثون إن هناك حاجة إلى مزيد من الأدلة لفهم العلاقة بين مشاهدة التلفزيون والنوم وكيف يمكن أن يؤثر ذلك على صحة القلب والأيض.
ما هو الحد المفرط؟
لا يوجد حد أو عتبة "آمنة" متفق عليها عالميًا لمشاهدة التلفزيون، ولكن العديد من الدراسات التي تبحث في آثاره الصحية المحتملة تبدأ في إثارة المخاوف في مكان ما حوالي ساعتين إلى أربع ساعات أو أكثر يوميًا.
وجدت دراسة أجريت عام 2026 أن مشاهدة التلفزيون لأكثر من 2.06 ساعة يوميًا ترتبط بزيادة خطر الإصابة بالخرف بنسبة 17%.
أثارت أبحاث أخرى مخاوف بشأن مستويات المشاهدة المرتفعة. ووجدت دراسة أجريت عام 2023 أن مشاهدة التلفزيون لمدة ساعتين إلى ثلاث ساعات يوميًا ترتبط بزيادة خطر الإصابة بالخرف مقارنةً بمشاهدة التلفزيون لمدة ساعة إلى صفر.
وجدت دراسة أخرى أجريت على البالغين الذين تبلغ أعمارهم 50 عامًا فأكثر أن مشاهدة أكثر من 3.5 ساعات من التلفزيون يوميًا كانت مرتبطة بضعف الذاكرة اللفظية بعد ست سنوات.
بالإضافة إلى ذلك، وجدت دراسة أجريت عام 2025 أن الضعف الإدراكي كان واضحًا بشكل خاص بين الأشخاص الذين يشاهدون التلفزيون لمدة أربع ساعات أو أكثر يوميًا.

