تتجه الأنظار مجددًا إلى مضيق هرمز، أحد أهم الممرات المائية في العالم، في ظل استمرار التوتر بين إيران والولايات المتحدة، وتزايد الضغوط الاقتصادية والعقوبات الأمريكية المفروضة على طهران، بالتزامن مع مساعٍ إيرانية وعُمانية للتوصل إلى ترتيبات مؤقتة تسمح باستئناف حركة الملاحة التجارية عبر المضيق، الذي تأثرت حركة العبور فيه بصورة كبيرة منذ اندلاع الحرب في فبراير الماضي.
وتأتي التحركات الجديدة في وقت تبدو فيه المنطقة أمام مشهد بالغ التعقيد؛ فمن ناحية، تتواصل الاتصالات الدبلوماسية بين إيران وسلطنة عمان بشأن تنظيم حركة السفن وتوفير ممر ملاحي آمن ومؤقت، ومن ناحية أخرى، تؤكد طهران أن المضيق لا يزال مغلقًا أمام السفن العسكرية، وتضع شروطًا سياسية وأمنية لإعادة فتحه بصورة كاملة، بينما تعلن واشنطن أنها تمكنت من إزالة الألغام البحرية من أجزاء من الممر وتتعهد بالتصدي لأي محاولة جديدة لزرعها.
محادثات إيرانية عمانية لإدارة حركة الملاحة
أعلنت إيران استئناف المحادثات مع سلطنة عمان بشأن إدارة حركة الملاحة في مضيق هرمز، بعد أسابيع من المفاوضات المتقطعة بين الجانبين، بهدف وضع آلية تسمح بتنظيم عبور السفن في ظل الظروف الأمنية الاستثنائية التي تشهدها المنطقة.
وبحسب المعطيات المطروحة، ناقشت طهران ومسقط إنشاء ممر ملاحي مشترك ومؤقت عبر المضيق، إلى جانب العمل على تطهير الممر من الألغام البحرية، بما يسمح باستئناف حركة السفن التجارية بصورة أكثر انتظامًا وتقليل المخاطر التي تواجه ناقلات النفط والغاز.
إيران: المضيق سيبقى مغلقًا أمام السفن العسكرية
وفي المقابل، شددت طهران على أن الحديث عن فتح المضيق لا يعني عودة الملاحة إلى وضعها الطبيعي بصورة كاملة.
وقال نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي إن إيران لا تزال في حالة حرب، مؤكدًا أن مضيق هرمز سيبقى مغلقًا أمام السفن العسكرية.
وأوضح أن السفن التجارية هي التي يمكنها المرور وفقًا لمذكرة التفاهم والترتيبات الجاري بحثها، في إشارة إلى أن طهران تميز بين حركة التجارة الدولية وبين النشاط العسكري داخل المضيق.
شروط إيرانية لإعادة فتح المضيق
لم تكتفِ طهران بتحديد طبيعة السفن المسموح لها بالعبور، بل طرحت أيضًا مجموعة من الشروط المرتبطة بإعادة فتح مضيق هرمز بصورة أوسع.
وبحسب تصريحات غريب آبادي، فإن إعادة فتح المضيق ترتبط بإنهاء الحرب على جميع الجبهات، ورفع الحصار، إلى جانب تحديد مصير الوضع في اليمن.
وأكد المسؤول الإيراني أن بلاده تملك أساليب للتعامل مع أي سيناريو أمريكي، سواء تعلق الأمر بالمواجهة أو التصعيد أو العقوبات، مشيرًا إلى أن واشنطن هي التي يتعين عليها البدء بتنفيذ التزاماتها.
وأضاف أن إيران مستعدة لتنفيذ التزاماتها إذا بدأت الولايات المتحدة بتنفيذ التزاماتها أولًا، معتبرًا أن بعض الإجراءات المطلوبة يمكن تنفيذها خلال فترة قصيرة.
خلاف أمريكي إيراني حول الألغام البحرية
في الوقت الذي تتحدث فيه إيران عن إنشاء ممر جديد، أعلنت الولايات المتحدة أنها أزالت ودمرت الألغام البحرية الموجودة في المياه الدولية لمضيق هرمز.
وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن البحرية الأمريكية أبلغته بإزالة وتفجير جميع الألغام الموجودة في المضيق، محذرًا من أن أي سفينة أو قارب يحاول زرع ألغام جديدة سيتم تدميره بصورة مباشرة ومنهجية.
وأكد ترامب أن الولايات المتحدة تراقب الممر المائي، مشددًا على ما وصفه بسياسة عدم التسامح مع عمليات زرع الألغام.
لكن طهران شككت في الرواية الأمريكية، مؤكدة أن المواقع الدقيقة للألغام لا يعرفها سوى الإيرانيين، ومعتبرة أن التصريحات الأمريكية تهدف في جانب منها إلى تهدئة الأسواق والتأثير في حركة أسعار النفط.
شركات خاصة شاركت في عمليات إزالة الألغام
وبحسب ما نقلته تقارير أمريكية عن مسؤولين مطلعين، استعانت الولايات المتحدة بشركات خاصة للمشاركة في عمليات البحث عن الألغام البحرية وإزالتها أو تفجيرها.
وتشير المعلومات إلى أن القوات الأمريكية نفذت عمليات مسح تحت الماء لرصد الأجسام المشتبه بها، في عملية استمرت فترة طويلة وبعيدًا عن الأضواء، بهدف تأمين أحد أهم الممرات المستخدمة في نقل الطاقة العالمية.
ووفق الرواية الأمريكية، رصدت عمليات المسح أكثر من 100 جسم مشتبه به، فيما جرى التعامل مع الألغام المكتشفة بما يسمح بتأمين أحد الممرات البحرية الرئيسية.
وتقول المصادر الأمريكية إن تأمين الممر الأوسط يمكن أن يسمح بزيادة حركة ناقلات النفط، خصوصًا مع استمرار استخدام الممر الجنوبي المحاذي للسواحل العمانية خلال الفترة الماضية.
أكثر من 500 سفينة عبرت الممر الجنوبي
خلال الأسابيع الماضية، اعتمدت حركة الملاحة بدرجة أكبر على الممر الجنوبي، وسط إجراءات أمنية مشددة.
وبحسب المسؤولين الأمريكيين، عبر أكثر من 500 سفينة الممر خلال الثلاثين يومًا الماضية، مع تعرض نسبة محدودة منها لحوادث استهداف بطائرات مسيرة أو صواريخ.
وفي حال عودة الممر الأوسط للعمل، يمكن أن تتحرك السفن في الاتجاهين بالتوازي، وهو ما من شأنه زيادة الطاقة الاستيعابية لحركة الملاحة وتسهيل وصول النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.
ناقلة نفط تتعرض لهجوم قرب مدخل هرمز
وتزامنت التحركات السياسية والعسكرية مع حادث أمني جديد زاد من المخاوف بشأن سلامة الملاحة.
وقالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ناقلة نفط تعرضت لهجوم بمقذوف لم تتحدد طبيعته، بينما كانت على بعد نحو تسعة أميال بحرية، أي ما يقرب من 17 كيلومترًا، شمال شرقي منطقة أش شيصة العمانية الواقعة عند مدخل مضيق هرمز.
عقوبات أمريكية جديدة تضغط على الاقتصاد الإيراني
على الجانب الاقتصادي، واصلت إدارة ترامب ممارسة الضغوط على طهران، في محاولة لتقييد قدرتها على الوصول إلى الأسواق الدولية.
وكانت الولايات المتحدة قد هددت الدول التي تواصل التعامل التجاري مع إيران بإجراءات عقابية، مع الإشارة إلى أن واشنطن لن تفرض العقوبات بصورة فورية.
وتأتي هذه السياسة في إطار محاولة أمريكية لعزل الاقتصاد الإيراني وتقليص مصادر الدخل التي يمكن أن تساعد طهران على تمويل قدراتها العسكرية أو تجاوز آثار العقوبات.
لكن إيران رفضت هذه الإجراءات، ووصفت الجهود الأمريكية بأنها تدخل في إطار ما اعتبرته فوضى قانونية، معربة عن اعتقادها بأن عددًا كبيرًا من الدول لن ينضم إلى حملة الضغط الأمريكية.
النفط يتجاهل العقوبات الأمريكية
ورغم الضغوط والعقوبات والتوتر في مضيق هرمز، تراجعت أسعار النفط لليوم الثاني على التوالي، في إشارة إلى أن الأسواق لم تتعامل مع العقوبات الأمريكية باعتبارها عاملًا كافيًا وحده لدفع الأسعار إلى الارتفاع.
ويظل العامل الأهم بالنسبة إلى الأسواق هو مدى استمرار اضطراب حركة الملاحة في المضيق، وحجم الإمدادات التي يمكن أن تتأثر في حال تصاعد المواجهة مجددًا.
تراجع تأييد الشعب الأمريكي للحرب
على الصعيد الداخلي الأمريكي، أظهر استطلاع للرأي أجرته رويترز وإبسوس تراجع تأييد الأمريكيين للحرب إلى أدنى مستوياته منذ الأيام الأولى للصراع.
ويتزامن ذلك مع تراجع شعبية ترامب إلى مستويات قياسية، في وقت تقترب فيه انتخابات الكونجرس المقررة في نوفمبر.
ويضع هذا التطور الإدارة الأمريكية أمام ضغوط داخلية متزايدة، إذ يصبح استمرار العمليات العسكرية الخارجية أكثر حساسية سياسيًا، خصوصًا إذا انعكس على أسعار الطاقة أو الاقتصاد الأمريكي أو أدى إلى سقوط مزيد من القتلى.
خسائر بشرية وعسكرية كبيرة
وخلف الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل خسائر بشرية كبيرة، مع سقوط آلاف القتلى، وفق المعطيات الواردة، كان معظمهم في إيران ولبنان.
كما تراجعت القدرات العسكرية التقليدية الإيرانية بصورة كبيرة نتيجة الضربات الأمريكية والإسرائيلية.
وفي المقابل، لا تزال الصورة الكاملة بشأن وضع البرنامج النووي الإيراني غير واضحة، وهو الملف الذي يمثل أحد الأسباب الرئيسية وراء استمرار الضغوط الأمريكية والإسرائيلية على طهران.
ويجعل عدم وضوح مصير المنشآت والقدرات النووية الإيرانية أي تسوية سياسية مستقبلية أكثر تعقيدًا، خصوصًا مع إصرار واشنطن وتل أبيب على منع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية.
الاتفاق النووي السعودي يدخل على خط الأزمة
وفي تطور منفصل لكنه يرتبط بصورة مباشرة بالتوازنات النووية في المنطقة، أحال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتفاقًا نوويًا مع السعودية إلى الكونجرس لمراجعته، مع استمرار تمسكه بربط الاتفاق بتطبيع العلاقات بين الرياض وإسرائيل.
وبحسب ما أوردته صحيفة «وول ستريت جورنال»، يمتد الاتفاق لمدة 30 عامًا، ويمنح الشركات الأمريكية دورًا رئيسيًا في تطوير البنية التحتية للطاقة النووية السعودية.
التخصيب النووي نقطة خلاف رئيسية
يمثل ملف تخصيب اليورانيوم إحدى أكثر النقاط حساسية في الاتفاق السعودي الأمريكي.
وكانت تقارير سابقة قد أشارت إلى وجود دراسة جدوى تستمر عامين بشأن إمكانية التخصيب، بينما أكد ترامب أن الاتفاق لا يسمح للسعودية بتخصيب اليورانيوم.
وكان الرئيس الأمريكي قد أعلن في يوليو أن الاتفاق النووي مع السعودية سيكون مشروطًا بانضمام الرياض إلى اتفاقات أبراهام وتطبيع علاقاتها مع إسرائيل.
وأكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت أن الاتفاق سيكون ملغيًا في حال عدم انضمام السعودية إلى الاتفاقات.
ومن المقرر أن يخضع الاتفاق لمراجعة في الكونجرس لمدة 90 يوم عمل قبل دخوله حيز التنفيذ، ما يفتح الباب أمام نقاش سياسي وقانوني واسع حول مستقبل البرنامج النووي السعودي وتأثيره على توازن القوى في الشرق الأوسط.

