جدد عاملون مؤقتون بالشركة المصرية لتجارة الجملة، التابعة لوزارة التموين والتجارة الداخلية، مطالبهم بالتثبيت بعد نحو 10 سنوات من بدء بعضهم العمل بنظام اليومية في قطاع مبيعات أسيوط، بينما انتهى مسار الشكاوى واللجان والوعود، بحسب روايتهم، إلى استمرار وضعهم المؤقت دون حسم.

 

ولا تتعلق القضية بمجرد تغيير صفة تعاقدية، بل بمعاناة أسر تعيش سنوات بين عمل فعلي ومستقبل غير مضمون؛ فالعامل الذي يؤدي مهامًا ثابتة داخل شركة حكومية يظل، على الورق، مؤقتًا وقابلًا لتجدد القلق كلما تأخر قرار التثبيت.

 

 

سنوات مؤقتة تحت سقف الوعود

 

بحسب مذكرة العاملين المرفوعة إلى وزير التموين، بدأت معاناة عدد منهم في مارس 2016، حين التحقوا بالعمل بأجر يومي في قطاعات الشركة، قبل تحرير عقود مؤقتة لهم مطلع عام 2020 بعد مطالبات متكررة.

 

لكن انتقالهم من اليومية إلى العقود المؤقتة لم ينهِ الأزمة، إذ بقي الاستقرار الوظيفي مؤجلًا، رغم استمرارهم في أداء أعمال تتصل بالمبيعات والإدارة والمخازن والخدمات المساندة.

 

وتضم قائمة المتضررين، وفق المذكرة، محامين ومحاسبين وأمناء عهد وأخصائيين وعمالًا ومدخلي بيانات؛ وهي وظائف لا تبدو عابرة أو موسمية، بل ترتبط بسير العمل اليومي داخل الشركة.

 

وتكشف هذه التركيبة عن مفارقة واضحة: الحاجة إلى العامل مستمرة، وطبيعة مهامه مستقرة، لكن مركزه الوظيفي يظل مؤقتًا لسنوات طويلة.

 

ويقول العاملون إن فترات عملهم تراوحت بين ستة وثمانية أعوام في وضع مؤقت، فيما تشير روايتهم إلى أن بعض الزملاء الذين التحقوا لاحقًا بعقود مباشرة حصلوا على أوضاع أكثر استقرارًا دون عراقيل مماثلة.

 

وهنا لا يصبح الاعتراض مطالبة بميزة استثنائية، بل سؤالًا عن معيار العدالة داخل جهة واحدة: لماذا يُطلب من العامل القديم الانتظار، بينما تتسع فرص التعيين أو التعاقد لمن جاء بعده؟

 

وكان كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، قد حذر في سياق مناقشة مشروع قانون العمل خلال فبراير 2025 من أن مشكلات العقود المؤقتة والأمان الوظيفي ما زالت من الثغرات التي لم تُعالج بصورة كافية.

 

وتنسجم هذه الملاحظة مع شكوى العاملين بالشركة المصرية لتجارة الجملة؛ إذ إن غياب سقف زمني واضح للعقد المؤقت يحول «المؤقت» من استثناء محدود إلى وضع دائم بلا ضمانات دائمة.

 

والأخطر أن سنوات الانتظار لا تُقاس فقط بعددها، بل بما تتركه من تعطيل لخطط الزواج والسكن والاقتراض والعلاج وتعليم الأبناء، في ظل دخل غير مستقر وإحساس مستمر بأن الجهد لا يُكافأ بحقوق مكافئة.

 

 

لجان التثبيت وأسئلة العدالة المؤجلة

 

يشير العاملون في مذكرتهم إلى وعود سابقة بإرجاع تاريخ العقود المؤقتة إلى فبراير 2017، بهدف مساواتهم بزملائهم، لكن هذه الوعود، وفق قولهم، لم تتحول إلى إجراء نافذ.

 

كما يستندون إلى قرارات وزارية وقرارات صادرة عن مجلس إدارة الشركة القابضة للصناعات الغذائية تتعلق بتعيين من أمضوا عامين أو أكثر في الخدمة، دون أن تنعكس، بحسب شكواهم، على أوضاعهم الفعلية.

 

ولا يعني وجود قرار أو توصية شيئًا للعامل ما لم يُترجم إلى كشف معلن بالمستحقين، ومعايير محددة، وجدول زمني قابل للمحاسبة.

 

وتقول المذكرة إن لجنة شُكلت لفحص ملفات التثبيت منذ أبريل 2025، عقب مخاطبات مع رئاسة مجلس إدارة الشركة القابضة ومكتب وزير التموين، إلا أن نتائج عملها لم تُعلن حتى الآن.

 

وهنا تتجاوز المشكلة التأخير الإداري المعتاد؛ لأن اللجنة غير المفعلة لا تعني فقط أن الملفات مؤجلة، بل أن العاملين يُتركون بلا إجابة واضحة عن سبب الاستبعاد أو موعد البت أو آلية الاعتراض.

 

وكان الخبير القانوني الدكتور أحمد عبد العليم قد أشار، في تصريحات منشورة حول أزمة العمالة المؤقتة في مصر، إلى أن غياب نصوص واضحة تضع حدًا زمنيًا للوضع المؤقت يفتح الباب لاستمراره بلا سقف.

 

وفي حالة الشركة، تبرز الحاجة إلى إعلان قانوني وإداري صريح: من المستحق للتثبيت؟ وما الوثائق المطلوبة؟ وما سبب عدم تسوية أوضاع من تجاوزوا سنوات الخدمة المحددة في القرارات المشار إليها؟

 

فالعامل لا يطلب وعدًا جديدًا ولا لجنة إضافية، بل قرارًا مكتوبًا يحدد مصيره، أو رفضًا مسببًا يمكنه الطعن عليه؛ أما ترك الملف في منطقة رمادية فيضاعف الشعور بالتمييز والإنهاك.

 

وتزداد حساسية المسألة لأن الشركة تعمل ضمن منظومة تموينية تمس حياة ملايين المواطنين، بينما يتعرض جزء من العاملين فيها لغياب الاستقرار الذي يفترض أن يدعم كفاءة الأداء داخل هذه المنظومة.

 

 

وظائف جديدة وحقوق قديمة معلقة

 

بلغت الشكوى ذروتها، وفق رواية العاملين، مع استمرار الشركة في توقيع عقود مؤقتة جديدة، بينما لا تزال ملفات العاملين الأقدم معلقة.

 

وتمنح هذه المفارقة الاحتجاج بعدًا أقسى: فالمشكلة ليست انعدام الحاجة إلى العمالة أو توقف فرص التعاقد، بل غياب الأولوية الواضحة لمن راكموا سنوات الخبرة داخل الشركة نفسها.

 

إبرام عقود جديدة قبل حسم أوضاع القدماء يرسل رسالة محبطة مفادها أن الخبرة والالتزام لا يكفيان وحدهما للانتقال إلى الأمان الوظيفي.

 

وكان الباحث الاقتصادي حسام الدسوقي قد رأى، في قراءة منشورة لأزمة العمالة المؤقتة، أن توفير النفقات عبر العقود المؤقتة قد يخفف أعباء قصيرة الأجل، لكنه يخلق كلفة اجتماعية واقتصادية لاحقة بسبب تراجع الاستقرار والإنتاجية والولاء المؤسسي.

 

وهذا التقدير يضع الشركة أمام سؤال عملي: هل يحقق استمرار المؤقتين وفورات حقيقية، أم ينقل الكلفة إلى العامل وأسرته ثم إلى جودة الخدمة واستقرار بيئة العمل؟

 

ويؤكد العاملون أنهم يمثلون جزءًا أساسيًا من الحركة الإنتاجية والمبيعات، خصوصًا في محافظات الصعيد، وأن خبرتهم الميدانية تراكمت عبر سنوات من التعامل المباشر مع احتياجات الفروع والعملاء.

 

لذلك فإن تسوية أوضاعهم ليست عبئًا إداريًا فقط، بل اختبار لقدرة مؤسسات الدولة على الاحتفاظ بعمالة مدربة بدل استنزافها نفسيًا ومهنيًا.

 

المطلوب من وزارة التموين والشركة القابضة ليس خطابًا عامًا عن رعاية العمالة، بل مراجعة فورية وشفافة للملفات، وإعلان نتائج لجنة أبريل 2025، وتحديد موقف كل عامل وفق سنوات الخدمة والمعايير المطبقة.

 

وإلى أن يحدث ذلك، ستظل شكوى العاملين بالشركة المصرية لتجارة الجملة شاهدًا على فجوة مؤلمة بين خطاب الاستقرار الوظيفي وواقع موظفين أدوا العمل لسنوات، لكنهم ما زالوا ينتظرون اعترافًا رسميًا بأنهم ليسوا عمالة مؤقتة إلى الأبد.