تتصاعد المخاوف المصرية والسودانية من انتقال أزمة سد النهضة إلى مرحلة أكثر خطورة، بعد تصريحات إثيوبية في أغسطس الجاري تحدثت عن التحكم في تدفقات المياه إلى دولتي المصب، والمضي في بناء سدود إضافية على النيل الأزرق.
وبينما تتمسك أديس أبابا بحقها في تطوير مواردها المائية، تواجه القاهرة اختبارًا جديدًا يتعلق بحماية شريان حياتها وفرض قواعد ملزمة لإدارة نهر دولي مشترك.
تصريحات إثيوبية تفتح ملف السدود الجديدة
وقال وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا إن بلاده قادرة على التحكم في تدفقات المياه المتجهة إلى دولتي المصب، مؤكدًا أن أديس أبابا ستواصل بناء سدود جديدة كلما رأت حاجة لذلك، دون انتظار إذن من أي طرف.
وتتجاوز خطورة هذا الخطاب مسألة سد النهضة وحده، إذ يفتح الباب أمام إنشاء منظومة مائية أوسع في أعالي النيل الأزرق.
وتشير تقارير متداولة إلى خطط لثلاثة سدود إضافية بسعة تخزينية قد تصل إلى 140 مليار متر مكعب، ما يجعل التنسيق بشأن التشغيل وتبادل البيانات أكثر إلحاحًا، خصوصًا في سنوات الجفاف.
إعلان المبادئ.. اتفاق بلا ضمانات تنفيذية
تعود جذور المأزق إلى توقيع قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي في مارس 2015 على إعلان مبادئ سد النهضة مع رئيس الوزراء الإثيوبي آنذاك هايلي ماريام ديسالين والرئيس السوداني عمر البشير، في ظل ظروف سياسية مرتبكة أعقبت الانقلاب العسكري وحاجة القاهرة إلى تخفيف عزلتها الإفريقية.
ورغم أن الإعلان لم يمنح إثيوبيا تفويضًا مطلقًا للتحكم في مياه النيل، فإنه لم يتحول إلى اتفاق تنفيذي ملزم يحدد قواعد الملء والتشغيل، ولا آلية واضحة للتعامل مع الجفاف والجفاف الممتد.
ومع مرور السنوات، استغلت أديس أبابا هذا الفراغ لمواصلة الملء والتشغيل بصورة أحادية، بينما بقيت مصر والسودان بلا ضمانات حقيقية تحمي تدفقات المياه.
القاهرة بين غموض الرد وحتمية الاستراتيجية
أكد مصدر رسمي مصري أن القاهرة لن تسمح لأي طرف بالتحكم في تدفقات مياه النيل إلى مصر والسودان، غير أن الاكتفاء بالتصريحات غير المعلنة يثير تساؤلات حول وضوح الرسالة السياسية في ملف يمس الأمن القومي مباشرة.
فالمياه ليست ملفًا اقتصاديًا عابرًا؛ بل ترتبط بالغذاء والزراعة والصناعة ومياه الشرب والاستقرار الاجتماعي، خاصة مع وقوع مصر تحت خط الفقر المائي.
وتحتاج القاهرة إلى استراتيجية مستدامة تجمع بين التحرك القانوني والدبلوماسي، والتنسيق الدائم مع السودان، والضغط من أجل اتفاق ملزم، إلى جانب تطوير بدائل المياه وتحسين كفاءة الري وتقليل الفاقد.
فبعد أكثر من عقد من الأزمة، لم يعد السؤال عن سد واحد، بل عن من يملك قرار إدارة مياه النيل في المستقبل.

