ترى سوزان بيري، الحاصلة على درجة الدكتوراه في علم النفس الاجتماعي، أن اللحظة الراهنة هي كل ما نملكه بالفعل، وأن قضاء مزيد من الوقت في الحاضر يمكن أن يعزز جودة حياتنا.

 

وتستكشف بيري في مقال نشرته مجلة «سايكولوجي توداي» فكرة «الآن» من منظور علمي وفلسفي، مستندة إلى كتاب بحثًا عن الآن: علم اللحظة الراهنة للكاتبة العلمية الحائزة على جوائز جو مارشانت، الذي يناقش احتمال عدم وجود «الآن» بالمعنى الفيزيائي الحقيقي.


وتشير «سايكولوجي توداي» إلى أن بيري تربط بين الحضور في اللحظة الراهنة وحالة «التدفق» أو Flow، وهي الحالة التي ينخرط فيها الإنسان بعمق في نشاط يتطلب قدرًا من التحدي والتركيز، فيصبح شديد الاندماج فيه إلى درجة يشعر معها بأن الزمن قد توقف. وتتساءل الكاتبة عما إذا كان قضاء وقت أطول في حالة التدفق يمكن أن يمثل نوعًا من العيش المستمر في «الآن» طوال فترة استمرار هذه الحالة.


تعلّم شيئًا جديدًا وأعد تنظيم وقتك
 

تدعو بيري إلى تعلّم مهارة جديدة والعمل على إتقانها، موضحة أن ذلك قد يبدأ بتجربة مجموعة متنوعة من الأنشطة الجديدة قبل اختيار أحدها والتعمق فيه حتى الوصول إلى مستوى عالٍ من المهارة. وعندما يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، لا يعود بحاجة إلى التفكير الواعي في كل خطوة، بل يترك نفسه للانغماس في النشاط والاستمرار معه بصورة طبيعية.


وتقارن الكاتبة بين تجربة كتابة المسودة الأولى، حين تتدفق الأفكار بصورة شبه تلقائية، وتجربة مراجعة النص، حين يحتاج الكاتب إلى التفكير المتأني للعثور على أفضل صياغة ممكنة لكل فكرة. وترى أن الوصول إلى حالة التدفق يتطلب أحيانًا إعادة ترتيب جدول الحياة اليومية وتخصيص وقت كافٍ للأنشطة التي تسمح بهذا الاندماج العميق.


وتشير إلى أن ضيق الوقت قد يدفع كثيرين إلى تجنب الأنشطة التي تتطلب تركيزًا طويلًا، لكنها تقترح التخلص من بعض العادات التي تستهلك الوقت بلا فائدة، مثل التصفح القهري لمقاطع الفيديو أو الانغماس في متابعة الأخبار السلبية بلا نهاية، واستبدال ذلك بالعمل على أهداف حقيقية يمكن أن تمنح الإنسان شعورًا أكثر استدامة بالرضا.


لا تفترض أن إدراكك للزمن هو الحقيقة الوحيدة


توضح بيري أن أدمغتنا تبني تصورًا خاصًا عن معنى «الآن» وعن اللحظة التي يوجد فيها الحاضر تحديدًا. وتحمل كل لحظة نعيشها ذكريات من لحظات سابقة ترتبط بها، كما أن اللحظة الراهنة تمر بسرعة شديدة بحيث يصعب القول إن الأحداث تقع فيها بصورة مستقلة تمامًا.
 

وتلفت الكاتبة إلى أن الدماغ البشري يحتاج إلى وقت لمعالجة الإشارات التي تستقبلها الحواس وتجميعها، ما يعني أن «الآن» الذي ندركه قد يكون في الواقع جزءًا من الماضي القريب بالفعل.

 

وترى بيري أن جوهر فكرة «كن حاضرًا في اللحظة» لا يكمن فقط في التركيز على الحاضر، بل أيضًا في التخلي عن الانشغال بالحصول على استحسان الآخرين. فبدلًا من التفكير المستمر في كيفية تقييم الآخرين لنا، يمكن للإنسان أن يستقر في المهمة التي اختارها ويترك المستقبل ينتظر دوره، وبذلك يمدد تجربته للحظة الراهنة، وهي المساحة الوحيدة التي يمكن أن يحدث فيها شيء حقيقي.
 

اختلاف نظرتنا إلى الوقت قد يغيّر علاقاتنا
 

تدعو بيري إلى إدراك أن الآخرين قد ينظرون إلى الزمن بطريقة مختلفة تمامًا عن نظرتنا إليه. وتستحضر في هذا السياق تجربة زوجها الراحل، الذي كان يدخل يوميًا في حالة من التدفق أثناء كتابة الشعر، وكان يؤمن بالحاضر ويثق به أكثر بكثير من أي وقت مستقبلي.


وفي المقابل، تقول الكاتبة إنها كانت منذ طفولتها تميل إلى التفكير في المستقبل والتخطيط له باستمرار، إلى درجة جعلتها تجد صعوبة في إدراك أن الإنسان يعيش في «الآن». وترى أن فهم كل طرف للطريقة التي يدرك بها الزمن ربما كان سيقلل من الخلافات بينهما، لو أدركا أن هذه التصورات المختلفة عن «الآن» يمكن أن تكون صحيحة بالقدر نفسه.


وتخلص بيري إلى أن مفهوم «اللحظة الراهنة» يستحق مزيدًا من التأمل، مشيرة إلى أن قراءة كتاب أو أكثر قد تساعد على فهم هذه الفكرة بصورة أعمق. وتقول إن فلسفة الحاضر وعلم النفس المرتبطان باللحظة الراهنة يثيران اهتمامها، بينما يتناول الجزء الأخير من كتاب مارشانت موضوعات أكثر تعقيدًا ترتبط بفيزياء الكم، وهي موضوعات تقاوم، بحسب تعبيرها، سهولة الفهم.
 

وتستند بيري في مقالها إلى كتاب بحثًا عن الآن: علم اللحظة الراهنة للكاتبة جو مارشانت، الصادر عن دار «ليفررايت» في مارس 2026، لتفتح نقاشًا حول طبيعة الزمن والإدراك البشري، وحول ما إذا كان بإمكان الإنسان أن يتعلم بالفعل كيف يعيش بصورة أكبر في اللحظة التي يسميها «الآن».