كشفت الحكومة المصرية في 30 يوليو 2026 أن طائرة مسيرة تسببت في الحريق الذي أصاب سفينتي غاز داخل ميناء دمياط على البحر المتوسط بعد هجوم وقع في 29 يوليو واستهدف السفينة إنرجوس وينتر قبل امتداد النيران إلى جاسلوج سالم دون تسجيل ضحايا بينما فتحت السلطات تحقيقًا في مصدر الطائرة ومسار وصولها.
وربطت الواقعة بين اتساع المخاطر الأمنية المحيطة بمصر وبين سياسة وسعت خلال سنوات حكم عبد الفتاح السيسي نطاق عمل المؤسسة العسكرية داخل قطاعات الاقتصاد وإدارة المشروعات والأراضي والسلع بينما أثار وصول طائرة مسيرة إلى ميناء استراتيجي سؤالًا مباشرًا بشأن كفاءة حماية المنشآت التي تمثل جزءًا أساسيًا من الأمن القومي.
توسع إقتصادي عسكري وسيطرة متزايدة على إختصاصات الوزارات
وتوسع الجيش منذ 2013 في إدارة مشروعات مدنية وقطاعات اقتصادية تجاوزت الصناعات المرتبطة بالاحتياجات الدفاعية لتشمل الطرق والعقارات والزراعة والإنتاج الغذائي وإدارة الأراضي والمشروعات القومية وهو توسع حظي بدعم مباشر من السيسي ومنح الأجهزة العسكرية دورًا متزايدًا داخل السياسات الاقتصادية التي كانت تتولاها جهات مدنية.
وفي يوليو 2026 وسعت السلطات نطاق هيئة مستقبل مصر المرتبطة بالمؤسسة العسكرية بعد إقرار تشريع يسمح بإعادة هيكلتها ومنحها صلاحيات أوسع تشمل إدارة أراض وشركات وأموال ومناطق تنموية بينما أصبحت الهيئة خلال فترة قصيرة مسؤولة عن أنشطة تمتد من استيراد القمح إلى الزراعة والعقارات والطاقة والسلع الأساسية.
وبالتزامن مع ذلك تولت هيئة مستقبل مصر منذ أواخر 2024 جانبًا رئيسيًا من استيراد السلع الاستراتيجية وعلى رأسها القمح بعدما انتقلت إليها مهام كانت تضطلع بها الهيئة العامة للسلع التموينية لعقود وهو انتقال أضاف ملف الأمن الغذائي إلى قائمة الأنشطة الاقتصادية والإدارية الواقعة تحت نفوذ مؤسسات مرتبطة بالقوات المسلحة.
وفي هذا السياق وثق الباحث يزيد صايغ المتخصص في الشؤون العسكرية المصرية اتساع الدور الاقتصادي للقوات المسلحة منذ 2013 وقال في دراسة صدرت في يوليو 2026 إن نموذج السيسي اعتمد بصورة متزايدة على إدارة الجيش للأراضي والبنية الأساسية وأصول الدولة وتحويلها إلى مصادر للإيرادات بدل قصر عمل المؤسسة على مهامها العسكرية.
وأوضح صايغ أن توسع النشاط العسكري لم يعد امتدادًا محدودًا لقدرات إنتاجية أنشئت لخدمة الاحتياجات الدفاعية بعدما أصبحت نسبة كبيرة من الشركات التي دخلت تحت المظلة العسكرية تنتج سلعًا وخدمات مدنية فقط وهو ما جعل المؤسسة لاعبًا قادرًا على التأثير في الأسواق والاستثمارات وتحديد اتجاهات قطاعات واسعة من الاقتصاد المصري.
ومن ثم يضع هذا التوسع واقعة دمياط في سياق مختلف عن مجرد حادث أمني منفصل لأن السلطة التي منحت المؤسسة العسكرية ملفات اقتصادية متزايدة تواجه الآن اختبارًا في المهمة الأصلية المرتبطة بالدفاع وحماية المجال المصري والمنشآت الاستراتيجية التي يمكن أن يؤدي استهدافها إلى أضرار تتجاوز حدود الميناء نفسه.
طائرة فوق ميناء استراتيجي تكشف قدرات منظومة الحماية الجوية
وجاء الهجوم بينما يستضيف ميناء دمياط منشآت مرتبطة بإمدادات الغاز المصرية وتتحرك عبره سفن تحمل مواد شديدة الحساسية وهو ما يجعل تأمين المجال المحيط بالميناء ضرورة أمنية وليست إجراءً إداريًا خصوصًا مع انتشار استخدام الطائرات المسيرة في الصراعات الإقليمية وقدرتها على تنفيذ هجمات بعيدة المدى بتكاليف محدودة.
وبعد الحادث أكدت الحكومة أن التحقيقات الأولية أثبتت تسبب طائرة مسيرة في الحريق لكنها لم تعلن الجهة التي أطلقتها أو المكان الذي انطلقت منه أو المسار الذي قطعته قبل الوصول إلى الميناء كما لم تكشف حتى الآن تفاصيل عمليات الرصد أو محاولات الاعتراض التي سبقت إصابة السفينة.
وعلى المستوى الرسمي تنص مهام أجهزة أمن الموانئ نفسها على تأمين الأسوار ومناطق الاقتراب والمنشآت والأهداف الحيوية إلى جانب أعمال الإنقاذ ومكافحة الحرائق ولذلك لا ينحصر السؤال في نجاح فرق الطوارئ بإخماد النيران وإنما يمتد إلى كيفية وصول التهديد أصلًا إلى منطقة تضم بنية تحتية شديدة الحساسية.
وفي المقابل يحذر الباحث والأكاديمي روبرت سبرينجبورج منذ سنوات من أن توسع المؤسسة العسكرية داخل الاقتصاد المصري تجاوز النشاط التجاري المحدود وامتد إلى إدارة جوانب واسعة من الاقتصاد بينما اعتبر أن سيطرة المؤسسات العسكرية على أنشطة اقتصادية وإدارية أدت إلى إبعاد خبرات مدنية عن مواقع صنع القرار الاقتصادي داخل الدولة.
وأضاف سبرينجبورج في تقييماته للاقتصاد المصري أن الشركات العسكرية وشبكات الضباط أصبحت عنصرًا مؤثرًا في السوق وإدارة الموارد وهو توصيف يكتسب دلالة إضافية بعد حادث دمياط لأن الدولة مطالبة بتفسير ما إذا كان اتساع الوظائف غير العسكرية جرى بالتوازي مع تحديث كاف لمنظومات حماية الموانئ والطاقة من التهديدات الجديدة.
وعليه لا يقدم حادث دمياط وحده دليلًا فنيًا على أن النشاط الاقتصادي تسبب مباشرة في الاختراق لأن نتائج التحقيق التفصيلية لم تعلن بعد لكنه يمنح هذا السؤال مشروعية سياسية وأمنية واضحة بعدما تمكن تهديد جوي من الوصول إلى هدف حيوي بينما تدير الأجهزة العسكرية في الوقت نفسه شبكة متنامية من الأنشطة التجارية والمدنية.
نظام السيسي يوسع إمبراطورية الجيش
وفي السنوات الماضية منحت حكومة السيسي الجيش أفضلية واسعة في تنفيذ المشروعات العامة وإدارة الأراضي والدخول في قطاعات تجارية بينما ساعدت سلطاته التنظيمية والإدارية على توسيع حضوره في السوق بصورة يصعب على الشركات المدنية منافستها وهو مسار جعل النشاط الاقتصادي للمؤسسة جزءًا ثابتًا من نموذج الحكم وليس مهمة استثنائية مؤقتة.
ومن جانبه وصف الباحث تيموثي كالدانس توسع الشركات المرتبطة بالنظام والمؤسسة العسكرية بأنه عامل أضر بقدرة القطاع الخاص على المنافسة مؤكدًا أن مجرد نقل ملكية بعض الشركات أو الإعلان عن الخصخصة لا ينهي سيطرة شبكات السلطة على القطاعات الاقتصادية ما دامت الامتيازات والعقود والشراكات تبقي النفوذ الفعلي قائمًا.
كما اعتبر كالدانس أن اتساع الاقتصاد العسكري ألحق أضرارًا كبيرة بالقطاع الخاص المصري وهي ملاحظة تكشف حجم الموارد الإدارية والسياسية التي دفعتها سلطة السيسي باتجاه الأنشطة الاقتصادية بينما يفترض أن يمثل تطوير القدرات العسكرية والرصد المبكر والدفاع الجوي وحماية منشآت الطاقة والموانئ أولوية لا تنافسها مشروعات تجارية.
وبذلك أصبحت واقعة دمياط اختبارًا عمليًا لخطاب النظام الذي قدم تدخل الجيش في كل قطاع تقريبًا باعتباره دليلًا على الكفاءة والانضباط لأن المعيار الأكثر صرامة لكفاءة مؤسسة عسكرية لا يتمثل في عدد المصانع أو المشروعات التي تديرها وإنما في قدرتها على أداء الوظائف الدفاعية التي لا تستطيع أي جهة مدنية أن تحل محلها.
وأخيرًا تكشف ضربة 29 يوليو فجوة لا تستطيع بيانات الاحتواء السريع للحريق إغلاقها إذ نجحت فرق الطوارئ في منع كارثة أكبر لكن الحكومة ما زالت مطالبة بكشف كيف اخترقت الطائرة المسيرة نطاقًا يضم منشآت غاز حيوية ومن المسؤول عن الرصد والاعتراض وما الإجراءات التي سبقت الهجوم وما الذي تغير بعدها.
وتبقى القضية أبعد من سفينتين أصابهما الحريق لأن نظام السيسي وضع الجيش خلال أكثر من عقد في قلب الاقتصاد وإدارة الأراضي والقمح والطرق والعقارات والمشروعات بينما أعاد هجوم دمياط المهمة الأصلية إلى الواجهة بقوة فالدولة التي توسع تجارة المؤسسة العسكرية مطالبة أولًا بإثبات أنها لم تدفع ثمن هذا التوسع من حساب حماية حدودها وموانئها ومنشآتها الحيوية.

