وثق مواطنون عبر مقطع متداول في الجيزة تضرر طبقات الأسفلت بأحد الشوارع الحيوية بعد أشهر قليلة من رصفه ما أثار مطالب شعبية ورقابية بالتحقيق وحصر تلفيات المركبات ومحاسبة المسؤولين عن إهدار المال العام.
تكشف الواقعة سياسيا كيف تنفق السلطات أموالا عامة على مشروعات تقدمها باعتبارها إنجازات ثم يواجه المواطن طريقا يتشقق سريعا ويدفع من دخله لإصلاح سيارته بينما تغيب المحاسبة ويعاد الإنفاق على العيب نفسه.
تلف مبكر وأسئلة معلقة
بحسب المشاهد المتداولة ظهرت أجزاء متضررة وتشققات وحفر في سطح الطريق رغم حداثة أعمال الرصف وهو ما أثار تساؤلات بشأن نوعية الخلطة الأسفلتية ودقة التنفيذ وسلامة الاستلام النهائي للمشروع المنفذ.
وبمجرد انتشار المقطع تزايدت شكاوى من تضرر مركبات مرتادي الشارع بسبب الحفر والتصدعات التي تعيق الحركة وتفرض على السائقين مناورات مفاجئة قد تتسبب في حوادث أو أعطال إضافية مكلفة ماديا.
كما أعادت الواقعة طرح سؤال عمر الطريق المفترض ومدى تناسب التلف الظاهر مع الفترة القصيرة التي مرت منذ انتهاء الرصف خاصة أن الظروف المناخية العادية لا تبرر انهيارا متسارعا بهذا الشكل.
في المقابل لم تتضح حتى الآن الجهة المنفذة أو قيمة المشروع أو تاريخ استلامه بدقة وهي معلومات أساسية لتحديد المسؤولية ومنع تحويل الغضب الشعبي إلى اتهامات عامة غير موثقة بحق أطراف مجهولة.
كذلك يفرض غياب البيانات الرسمية الحذر في تحديد سبب الضرر لأن انهيار الأسفلت قد يرتبط بعيوب الخلطة أو ضعف الدمك أو تسرب المياه أو أعمال مرافق لاحقة تحت جسم الطريق.
فضلا عن ذلك قد يؤدي مرور مركبات بأحمال تتجاوز التصميم أو إهمال تصريف مياه الأمطار والصرف إلى تسريع التلف لكن إثبات أي سبب يتطلب فحوصا هندسية مستقلة وعينات من الموقع.
من جهة أخرى تكررت في مناطق مختلفة ظاهرة حفر الطرق بعد رصفها لتنفيذ توصيلات مياه أو غاز أو صرف أو اتصالات ما يكشف خللا مزمنا في تنسيق المرافق قبل بدء التنفيذ.
نتيجة لذلك لا تبدو المشكلة مجرد حفرة يمكن إغلاقها بطبقة سطحية بل نموذجا لخلل يبدأ من التخطيط ويمر بالتنفيذ وينتهي باستلام قد لا يكشف العيوب المبكرة أو يحاسب صانعها.
تنفيذ بلا تنسيق
هندسيا يجب اختبار سمك طبقات الرصف ونسب المواد الرابطة ودرجات الدمك واستواء السطح وقدرته على تحمل الأحمال الفعلية قبل تحديد ما إذا كانت المواصفات قد خولفت أثناء تنفيذ المشروع فعليا.
وعند ثبوت مخالفة المواصفات ينبغي تحديد المرحلة التي وقع فيها الخلل وهل تعلقت بتصميم الطريق أم جودة المواد أم أداء المقاول أم ضعف الإشراف والاستلام من الجهة المختصة على الأعمال المنفذة.
بالتوازي تتطلب المراجعة كشف كل أعمال المرافق التي نفذت قبل الرصف وبعده لمعرفة ما إذا تعرضت طبقات الطريق للحفر أو التسرب أو الردم غير المطابق عقب تسليمه للاستخدام العام المباشر.
غير أن استمرار كل هيئة في العمل منفردة يجعل الطريق ضحية لدائرة متكررة من الرصف ثم الحفر ثم الترقيع وهي دائرة تستنزف الموازنة وتنتج سطحا أقل أمانا وجودة في كل مرة.
علاوة على ذلك تحتاج المحافظة إلى قاعدة بيانات موحدة لمسارات المياه والصرف والغاز والكهرباء والاتصالات حتى يعرف المنفذون مواقع الشبكات قبل بدء الرصف أو أعمال الصيانة الجديدة في الشوارع الحيوية.
إداريا يثير التلف المبكر أسئلة بشأن محاضر الاستلام واختبارات الجودة والجهة التي اعتمدت الأعمال وما إذا كان المشروع ما يزال داخل فترة الضمان التي تلزم المقاول بالإصلاح على نفقته الخاصة.
أما اللجوء إلى ترقيع موضعي سريع من دون تشخيص السبب فيخفي العيب مؤقتا ولا يمنع عودته كما قد يضاعف الإنفاق ويترك الطريق غير مستو أمام المركبات والمشاة لفترة أطول لاحقا.
بناء على ذلك ينبغي أن تسبق أي إعادة رصف معاينة شاملة للبنية السفلية وشبكات المرافق مع معالجة الهبوط والتسربات ثم تنفيذ طبقات جديدة تخضع لاختبارات معلنة قبل فتح الطريق مجددا.
لذلك يرتبط إصلاح الشارع بإصلاح منظومة التعاقد نفسها عبر وضع مؤشرات جودة واضحة وضمانات ممتدة وجزاءات قابلة للتنفيذ على المقاول الذي يسلم أعمالا معيبة أو سريعة التلف منذ التشغيل الأول.
المحاسبة تحمي الطريق
رقابيا تتطلب الواقعة لجنة فنية مستقلة تعاين الموقع وتصور الأضرار وتسحب عينات وتراجع المستندات ثم تنشر تقريرا يحدد أسباب التلف والمسؤوليات الفنية والإدارية وتكلفة الإصلاح المطلوبة بصورة دقيقة ومعلنة.
قانونيا يجب فحص العقود لمعرفة التزامات الضمان والصيانة وحقوق المحافظة عند ظهور عيوب مبكرة مع إلزام المسؤول بإعادة التنفيذ ورد أي مبالغ صرفت مقابل أعمال لم تحقق المواصفات المعتمدة في المشروع.
ماليا تقتضي حماية المال العام إعلان قيمة المشروع وبنود الرصف والكميات المستخدمة وأوامر الإسناد والمستخلصات المدفوعة لأن الشفافية هنا تتيح مقارنة ما خصص فعليا بما نفذ على الأرض داخل الشارع المتضرر.
ميدانيا ينبغي حصر المركبات التي تعرضت لتلفيات موثقة بسبب الحفر وفحص إمكان تعويض أصحابها إذا أثبت التقرير أن الضرر نتج مباشرة عن إهمال الصيانة أو عيوب التنفيذ في الطريق العام.
مستقبلا يتطلب منع التكرار متابعة رقمية لكل مرحلة من المشروع تبدأ باعتماد التصميم والمواد ولا تنتهي إلا بعد اختبارات التحمل وفترة مراقبة تكشف العيوب قبل إغلاق الضمان وصرف المستحقات النهائية.
ومن ثم لا بد من مراجعة معايير اختيار المقاولين ومقاولي الباطن بالاستناد إلى سجل الأداء السابق والقدرات الفنية لا إلى أقل سعر فقط إذا كان سيقود إلى كلفة مضاعفة لاحقا.
أخيرا يظل إعلان نتائج التحقيق شرطا لاستعادة الثقة لأن إصلاح الأسفلت في صمت لا يجيب عن أسئلة الهدر ولا يضمن عدم انتقال العيوب نفسها إلى مشروع جديد تنفذه الأطراف ذاتها.
وفي المحصلة تكشف الواقعة أن الطريق الآمن لا يصنعه استعراض الافتتاحات بل تخطيط منضبط وتنفيذ مطابق ورقابة مستقلة ومحاسبة علنية تحمي حياة المواطنين وأموالهم قبل حماية صورة المسؤولين أمام الكاميرات.

