بقلم جريج هنريكس، أستاذ علم النفس بجامعة جيمس ماديسون — يطرح نموذج النظرية الموحدة للمعرفة صورًا جديدًا لطبيعة الوعي الإنساني، يقوم على أن العقل لا يستقبل الأفكار والمشاعر كما هي، بل يمررها عبر ثلاثة مرشحات رئيسية تنظم الإدراك، وتفسر العلاقة بين التجربة الذاتية والهوية والسلوك الاجتماعي.
وذكرت مجلة سايكولوجي توداي أن النظرية الموحدة للمعرفة تحدد ثلاثة مجالات أساسية للوعي الإنساني. يتمثل المجال الأول في الذات الخبراتية أو "الذات البدائية"، التي تضم الخبرة الشعورية المباشرة، وكيفية ارتباط الإدراك بالدوافع والانفعالات الشخصية، وهي خصائص يشترك فيها الإنسان مع كثير من الثدييات.
أما المجال الثاني فهو الأنا، التي تعتمد على اللغة في تفسير الخبرات ووصفها وتقييمها أثناء التفكير الواعي. بينما يتمثل المجال الثالث في الشخصية الاجتماعية، أي الصورة التي يقدمها الإنسان للآخرين بهدف إدارة انطباعاتهم وتحديد موقعه داخل المجتمع.
النظرية الموحدة للمعرفة تفسر تطور الوعي الإنساني
وترى النظرية أن ظهور اللغة فرض على الإنسان تحديًا جديدًا يتمثل في تبرير أفعاله وأفكاره أمام الآخرين، وهو ما أدى إلى تطور الأنا والشخصية الاجتماعية.
وتفترض النظرية وجود عمليات تصفية تفصل بين مجالات الوعي المختلفة، إذ تعمل هذه المرشحات على تنظيم انتقال الأفكار والمشاعر بين الخبرة الداخلية والوعي اللغوي ثم إلى السلوك الاجتماعي.
وتوضح أن الأنا تسرد ما تعيشه الذات الخبراتية، لكنها لا تنقل كل شيء كما هو، بل تستبعد الأفكار أو الرغبات أو المشاعر التي يصعب تبريرها اجتماعيًا، ثم تعيد صياغة ما تبقى في صورة رواية منطقية ومقبولة. أما المشاعر القوية التي تعجز الأنا عن السيطرة عليها أو إنكارها، فقد تبدو للفرد غريبة أو غير منسجمة مع صورته عن نفسه.
ويربط الكاتب هذا التصور بأفكار مدرسة التحليل النفسي، التي رأت منذ زمن طويل أن الأنا تكبح الدوافع والرغبات غير المقبولة عبر الكبت أو القمع، ثم تقدم تفسيرات عقلانية لها. ولهذا أطلقت النظرية على هذه العملية اسم "المرشح الفرويدي"، لأنه يعمل بين الخبرة غير اللفظية والسرد اللغوي، ويسعى إلى تحويل التجارب الداخلية إلى روايات يمكن تبريرها اجتماعيًا.
من الذات الخاصة إلى الصورة العامة أمام المجتمع
وتؤكد النظرية أن الإنسان لا يعيش بمعزل عن الآخرين، بل يؤدي أدوارًا اجتماعية باستمرار، ويحاول الحفاظ على مكانته من خلال إدارة الانطباعات التي يتركها لدى المحيطين به.
ولهذا يوجد مرشح آخر يفصل بين ما يشعر به الإنسان داخليًا وما يختار الإفصاح عنه علنًا. ويصف الكاتب هذا الحاجز بأنه انتقال من الذات الخاصة إلى الذات العامة.
ويربط هذا التصور بأفكار عالم النفس كارل روجرز، الذي رأى أن محاولة إرضاء توقعات الآخرين قد تدفع الإنسان إلى إهمال ذاته الحقيقية والتخلي عن قيمه الداخلية، وهو ما قد يقوده إلى الشعور بالفراغ والاغتراب وفقدان الاتصال بنفسه.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، أطلقت النظرية على هذا الحاجز اسم "المرشح الروجيري"، لأنه ينظم العلاقة بين الأفكار الخاصة وما يعلنه الفرد أمام المجتمع.
الانتباه يمثل البوابة الأولى للوعي
ويشير الكاتب إلى وجود مرشح ثالث أكثر أساسية، يتمثل في مرشح الانتباه، الذي ينظم انتقال العمليات العقلية اللاواعية إلى الوعي المباشر.
ويستند هذا التصور إلى أبحاث عالم الأعصاب ستانيسلاس ديهان حول نموذج "مساحة العمل العصبية العالمية"، والتي توضح أن الانتباه يؤدي دورًا محوريًا في تحديد ما يصل إلى الوعي، رغم أنه لا يمثل الوعي نفسه.
وتقسم النظرية العمليات الذهنية إلى ثلاث طبقات؛ الأولى تشمل العمليات العصبية غير الواعية، والثانية تضم الخبرات الشعورية المباشرة، بينما تمثل الثالثة التفكير الواعي والسرد الذاتي، سواء بقي في نطاق التفكير الداخلي أو ظهر في صورة تواصل اجتماعي.
ويرى الكاتب أن مرشح الانتباه ينظم انتقال المعلومات من العقل غير الواعي إلى الخبرة الواعية، بينما ينظم المرشح الفرويدي العلاقة بين الخبرة الشعورية والأنا، ويتولى المرشح الروجيري تنظيم العلاقة بين الأفكار الخاصة وما يعلنه الإنسان للآخرين.
ويختتم الكاتب بالتأكيد على أن هذه المرشحات الثلاثة تقدم إطارًا متكاملًا لفهم طبيعة الوعي الإنساني، وتوضح كيف تتفاعل العمليات العصبية والخبرة الذاتية والتفكير الواعي والسلوك الاجتماعي في تشكيل إدراك الإنسان لنفسه وللعالم من حوله، وهو ما يجعل النظرية الموحدة للمعرفة محاولة شاملة لتفسير العقل والوعي ضمن نموذج علمي وفلسفي واحد.
https://www.psychologytoday.com/us/blog/theory-of-knowledge/202203/the-three-filters-of-consciousness/amp

