حذر رئيس شركة تي آند سي للملابس الجاهزة مجدي طلبة من أن نقص العمالة المدربة داخل مصانع مصر يهدد فرصة رفع الصادرات إلى 300 مليار دولار خلال 10 سنوات، رغم امتلاك القطاع طاقات إنتاجية واسعة.

 

سياسيا، تكشف الأزمة حصاد سنوات أهدر فيها نظام عبد الفتاح السيسي التعليم الفني وأفقر الأجور ووسع الاقتصاد غير الرسمي، ثم طالب الشباب بالعودة إلى مصانع لا تمنحهم دخلا كافيا ولا مستقبلا آمنا.

 

العمال يهجرون خطوط الإنتاج

 

وبحسب طلبة، لم تعد الفائدة المرتفعة أو تقلبات سعر الصرف العقبة الأكثر إلحاحا أمام المصنعين، بعدما أصبحت الشركات قادرة جزئيا على تدبير التمويل، لكنها تعجز بصورة متزايدة عن العثور على عمال مؤهلين.

 

وفي السنوات الأخيرة، اتجه عدد من الشباب إلى قيادة مركبات التوك توك والعمل في أنشطة غير رسمية، بدلا من الالتحاق بالمصانع، رغم ما يفترض أن توفره الوظيفة الصناعية من تدريب ومسار مهني.

 

غير أن تفضيل العمل غير الرسمي لا يمكن تفسيره باعتباره عزوفا أخلاقيا عن الإنتاج، فالقرار يرتبط بفروق الدخل والمرونة وساعات العمل وتكاليف الانتقال، إضافة إلى تراجع الثقة في قدرة المصنع على ضمان حياة كريمة.

 

وفي تقدير خالد فايد، نائب رئيس شعبة الملابس الجاهزة، تعاني المصانع ضغطا متزايدا بسبب قلة العمالة وهجرة بعض العاملين إلى الخارج طلبا لأجور أعلى، بالتزامن مع دخول مصانع تركية وصينية جديدة.

 

كما يقترح فايد إنشاء مركز تدريب داخل كل منطقة صناعية، والجمع بين الدراسة النظرية والعمل التطبيقي، بما يسمح بتأهيل الطلاب داخل المصانع بدلا من تخريجهم دون خبرة تناسب احتياجات الإنتاج.

 

وفي المقابل، يؤدي نقص العمالة إلى رفع تكاليف التشغيل وإبطاء خطط التوسع، لأن الآلات المتاحة لا تنتج وحدها، كما تضطر الشركات إلى استقطاب العاملين من منافسيها أو تشغيل ورديات أقل.

 

وبالتالي، تتحول الأزمة إلى دائرة مغلقة تبدأ بأجور غير جذابة، ثم هروب العمال وارتفاع التكلفة وتراجع الإنتاجية، قبل أن تستخدم الشركات النقص نفسه مبررا لتأجيل تحسين الأجور وشروط العمل.

 

تعليم منفصل عن الصناعة

 

تعليميا، يرى طلبة أن إصلاح المدارس الفنية يمثل المدخل الأساسي لإنقاذ الصناعة، لأن مصر تمتلك نحو 43 مليون شاب، لكنها لا تحول هذه الكتلة البشرية إلى مهارات منتجة تلبي متطلبات المصانع الحديثة.

 

وفي هذا السياق، لا تكمن المشكلة في عدد الخريجين فقط، بل في نوعية التدريب والمناهج والمعدات المتاحة، ومدى مشاركة المصانع في تحديد المهارات التي يحتاجها كل قطاع خلال السنوات المقبلة.

 

ووفق محمد زكي السويدي، رئيس اتحاد الصناعات المصرية، يعد تطوير التعليم الفني محورا أساسيا للتنمية الصناعية، بينما يمثل ربط الدراسة بسوق العمل الطريق لبناء كوادر مؤهلة تلبي احتياجات الإنتاج الوطني.

 

علاوة على ذلك، تكشف بيانات اتحاد الصناعات أن قطاع الملابس يحتاج بين 400 و500 ألف عامل، رغم تخريج التعليم الفني نحو 800 ألف طالب سنويا، بما يظهر اتساع الفجوة بين الشهادات والمهارات.

 

ومن ثم، لا تعاني مصر نقصا في البشر بقدر ما تعاني هدرا منظما للقدرات، إذ يغادر مئات الآلاف المدارس بشهادات لا تضمن عملا، بينما تعلن المصانع حاجتها إلى عمال لا تجدهم.

 

إلى جانب ذلك، تحتاج المصانع إلى تحمل جزء من تكلفة التدريب ورفع الأجور وتحسين النقل والتأمين، لأن مطالبة الدولة وحدها بإنتاج عامل جاهز تعفي أصحاب الأعمال من مسؤوليتهم عن بيئة التشغيل.

 

لذلك، ينبغي أن يبدأ الإصلاح من تحديث المناهج والمعدات وتدريب المعلمين، ويمتد إلى شراكات حقيقية مع المصانع وتدريب مدفوع للطلاب، مع قياس نسب التوظيف الفعلي بعد التخرج.

 

وفوق ذلك، يفتح نقص العمالة في أوروبا فرصة أمام الكوادر المصرية، لكنه يحمل خطرا موازيا، لأن تدريب الشباب ثم تصديرهم بأجور أفضل قد يفاقم العجز المحلي ما لم تتحسن شروط العمل.

 

وعليه، يصبح بطء التحرك الحكومي إهدارا مزدوجا، فهو يضيع طلبا دوليا على العمالة الماهرة، ويترك الصناعة المحلية عاجزة عن ملء الوظائف المتاحة، رغم الإنفاق المتكرر على برامج تدريب محدودة الأثر.

 

صادرات ضخمة بلا أساس

 

تصديريا، يطرح طلبة هدفا يصل إلى 300 مليار دولار خلال 10 سنوات، مؤكدا أن تحقيقه لا يحتاج بالضرورة إلى مصانع جديدة، بل إلى رفع كفاءة العاملين وزيادة إنتاجية الطاقات القائمة.

 

ويرى أن تحسين جودة العمالة يمكن أن يضاعف إنتاج المصانع الحالية ويمنحها القدرة على تلبية الطلب الخارجي، وهي فرضية تضع العنصر البشري في قلب التوسع بدلا من الاكتفاء بالحوافز الاستثمارية.

 

ومن جانبه، يؤكد الخبير الاقتصادي شريف سليمان أن القفزات التصديرية لا تتحقق بالدعم النقدي وحده، بل تتطلب معالجة تكلفة التمويل وتفعيل الاتفاقيات التجارية والتنسيق الحكومي وتسوية مستحقات المصدرين المتأخرة أيضا.

 

وفضلا عن ذلك، شدد سليمان على توجيه المساندة نحو القطاعات ذات القيمة المضافة العالية وكثافة التشغيل، وهو ما يعني أن بلوغ الأرقام المعلنة يحتاج قاعدة إنتاجية متماسكة، لا مجرد توقعات متفائلة.

 

وبشأن اتفاقية الكويز، يرى طلبة أن إمكاناتها تتجاوز النتائج المحققة، وأن سوء الإدارة حرم الصناعة من فرص أوسع، بما يستدعي مراجعة آليات الاستفادة منها وتوسيع قدرة الشركات على النفاذ للأسواق.

 

فيما يتجاهل تعليق مستقبل الصادرات على الكويز وحدها كلفتها السياسية وارتباطها بمكون إسرائيلي، كما يتجاهل ضرورة تنويع الأسواق وتحسين الجودة وتقليل زمن الإفراج وتوفير تمويل مستقر للمصنعين داخل الأسواق العالمية.

 

وبناء على ذلك، يبدو رقم 300 مليار دولار طموحا مشروطا بإصلاحات عميقة، لأن مضاعفة الإنتاج لا تتحقق بمجرد تشغيل الآلات بكفاءة أعلى، وإنما تحتاج طلبا خارجيا وتمويلا ومدخلات وطاقة وعمالة مستقرة.

 

في الوقت نفسه، تكشف الأزمة تناقضا حكوميا فادحا، إذ تتحدث السلطة عن توطين الصناعة وزيادة الصادرات، بينما تدفع سياساتها التضخمية وتدهور الأجور الشباب إلى أعمال يومية أسرع دخلا وأقل التزاما.

 

وفي المحصلة، لن تهزم المصانع مركبات التوك توك بالخطب، ولن يصنع التعليم الفني عمالا مهرة بشهادات فارغة، ولن تتحول الصادرات إلى 300 مليار دولار قبل إعادة توزيع ثمار الإنتاج لصالح العمال.